ألا حبذا صحبة المكتب
أحمد شوقيمتأخرالمتقاربمدحالباء
حجم الخط
- أَلا حَبَّذا صُحبَةَ المَكتَبِوَأَحبِب بِأَيّامِهِ أَحبِبِ
- وَيا حَبَّذا صِبيَةٌ يَمرَحونَ عِنانُ الحَياةِ عَلَيهِم صَبي
- كَأَنَّهُمو بَسَماتُ الحَياةِ وَأَنفاسُ رَيحانَها الطَيِّبِ
- يُراحُ وَيُغدى بِهِم كَالقَطيعِ عَلى مَشرِقِ الشَمسِ وَالمَغرِبِ
- إِلى مَرتَعٍ أَلِفوا غَيرَهُوَراعٍ غَريبِ العَصا أَجنَبي
- وَمُستَقبَلٍ مِن قُيودِ الحَياةِ شَديدٍ عَلى النَفسِ مُستَصعَبِ
- فِراخٌ بِأَيكٍ فَمِن ناهِضٍيَروضُ الجَناحَ وَمِن أَزغَبِ
- مَقاعِدُهُم مِن جَناحِ الزَمانِ وَما عَلِموا خَطَرَ المَركَبِ
- عَصافيرُ عِندَ تَهَجّي الدُروسِ مِهارٌ عَرابيدُ في المَلعَبِ
- خَلِيّونَ مِن تَبِعاتِ الحَياةِ عَلى الأُمِّ يَلقونَها وَالأَبِ
- جُنونُ الحَداثَةِ مِن حَولِهِمتَضيقُ بِهِ سَعَةُ المَذهَبِ
- عَدا فَاِستَبَدَّ بِعَقلِ الصَبِيّوَأَعدى المُؤَدِّبَ حَتّى صَبى
- لَهُم جَرَسٌ مُطرِبٌ في السَراحِ وَلَيسَ إِذا جَدَّ بِالمُطرِبِ
- تَوارَت بِهِ ساعَةٌ لِلزَمانِ عَلى الناسِ دائِرَةُ العَقرَبِ
- تَشولُ بِإِبرَتِها لِلشَبابِ وَتَقذِفُ بِالسُمِّ في الشُيَّبِ
- يَدُقُّ بِمِطرَقَتَيها القَضاءَ وَتَجري المَقاديرُ في اللَولَبِ
- وَتِلكَ الأَواعي بِأَيمانِهِمحَقائِبُ فيها الغَدُ المُختَبي
- فَفيها الَّذي إِن يُقِم لا يُعَدَّمِنَ الناسِ أَو يَمضِ لا يُحسَبِ
- وَفيها اللِواءُ وَفيها المَنارُ وَفيها التَبيعُ وَفيها النَبي
- وَفيها المُؤَخَّرُ خَلفَ الزِحامِ وَفيها المُقَدَّمُ في المَوكِبِ
- جَميلٌ عَلَيهِم قَشيبُ الثِيابِ وَما لَم يُجَمَّل وَلَم يَقشِبِ
- كَساهُم بَنانُ الصِبا حُلَّةًأَعَزَّ مِن المِخمَلِ المُذهَبِ
- وَأَبهى مِنَ الوَردِ تَحتَ النَدىإِذا رَفَّ في فَرعِهِ الأَهدَبِ
- وَأَطهَرَ مِن ذَيلِها لَم يَلُمّمِنَ الناسِ ماشٍ وَلَم يَسحَبِ
- قَطيعٌ يُزَجّيهِ راعٍ مِنَ الدَهرِ لَيسَ بِلَينٍ وَلا صُلَّبِ
- أَهابَت هِرواتُهُ بِالرِفاقِ وَنادَت عَلى الحُيَّدِ الهُرَّبِ
- وَصَرَّفَ قُطعانَهُ فَاِستَبَدّوَلَم يَخشَ شَيئاً وَلَم يَرهَبِ
- أَرادَ لِمَن شاءَ رَعيَ الجَديبِ وَأَنزَلَ مَن شاءَ بِالمُخصِبِ
- وَرَوّى عَلى رِيِّها الناهلاتِ وَرَدَّ الظِماءَ فَلَم تَشرَبِ
- وَأَلقى رِقاباً إِلى الضارِبينَ وَضَنَّ بِأُخرى فَلَم تُضرَبِ
- وَلَيسَ يُبالي رِضا المُستَريحِ وَلا ضَجَرَ الناقِمِ المُتعَبِ
- وَلَيسَ بِمُبقٍ عَلى الحاضِرينَ وَلَيسَ بِباكٍ عَلى الغُيَّبِ
- فَيا وَيحَهُم هَل أَحَسّوا الحَياةَ لَقَد لَعِبوا وَهيَ لَم تَلعَبِ
- تُجَرِّبُ فيهِم وَما يَعلَمونَ كَتَجرُبَةِ الطِبِّ في الأَرنَبِ
- سَقَتهُم بِسُمٍّ جَرى في الأُصولِ وَرَوّى الفُروعَ وَلَم يَنضُبِ
- وَدارَ الزَمانُ فَدالَ الصِباوَشَبَّ الصِغارُ عَنِ المَكتَبِ
- وَجَدَّ الطِلابُ وَكَدَّ الشَبابُ وَأَوغَلَ في الصَعبِ فَالأَصعَبِ
- وَعادَت نَواعِمُ أَيّامِهِسِنينَ مِنَ الدَأَبِ المُنصِبِ
- وَعُذِّبَ بِالعِلمِ طُلّابُهُوَغَصّوا بِمَنهَلِهِ الأَعذَبِ
- رَمَتهُم بِهِ شَهَواتُ الحَياةِ وَحُبُّ النَباهَةِ وَالمَكسَبِ
- وَزَهو الأُبُوَّةِ مِن مُنجِبٍيُفاخِرُ مَن لَيسَ بِالمُنجِبِ
- وَعَقلٌ بَعيدُ مَرامي الطِماحِ كَبيرُ اللُبانَةِ وَالمَأرَبِ
- وَلوعُ الرَجاءِ بِما لَم تَنَلعُقولُ الأَوالي وَلَم تَطلُبِ
- تَنَقَّلَ كَالنَجمِ مِن غَيهَبٍيَجوبُ العُصورَ إِلى عَيهَبِ
- قَديمُ الشُعاعِ كَشَمسِ النَهارِ جَديدٌ كَمِصباحِها المُلهِبِ
- أَبُقراطُ مِثلُ اِبنِ سينا الرَئيسِ وَهوميرُ مِثلُ أَبي الطَيِّبِ
- وَكُلُّهُمو حَجَرٌ في البِناءِ وَغَرسٌ مِنَ المُثمِرِ المُعقِبِ
- تُؤَلِفُهُم في ظِلالِ الرَخاءِ وَفي كَنَفِ النَسَبِ الأَقرَبِ
- وَتَكسِرُ فيهِم غُرورَ الثَراءِ وَزَهوَ الوِلادَةِ وَالمَنصِبِ
- بُيوتٌ مُنَزَّهَةٌ كَالعَتيقِ وَإِن لَم تُسَتَّر وَلَم تُحجَبِ
- يُداني ثَراها ثَرى مَكَّةٍوَيَقرُبُ في الطُهرِ مِن يَثرِبِ
- إِذا ما رَأَيتَهُمو عِندَهايَموجونَ كَالنَحلِ عِندَ الرُبى
- رَأَيتَ الحَضارَةَ في حُصنِهاهُناكَ وَفي جُندِها الأَغلَبِ
- وَتَعرِضُهُم مَوكِباً مَوكِباًوَتَسأَلُ عَن عَلَمِ المَوكِبِ
- دَعِ الحَظَّ يَطلَع بِهِ في غَدٍفَإِنَّكَ لَم تَدرِ مَن يَجتَبي
- لَقَد زَيَّنَ الأَرضَ بِالعَبقَرِيِّمُحَلّي السَماواتِ بِالكَوكَبِ
- وَخَدَّشَ ظُفرُ الزَمانِ الوُجوهَ وَغَيَّضَ مِن بِشرِها المُعجِبِ
- وَغالَ الحَداثَةَ شَرخُ الشَبابِ وَلَو شِيَتِ المُردُ في الشُيَّبِ
- سَرى الشَيبُ مُتَّئِداً في الرُؤوسِ سُرى النارِ في المَوضِعِ المُعشِبِ
- حَريقٌ أَحاطَ بِخَيطِ الحَياةِ تَعَجَّبتُ كَيفَ عَلَيهِم غَبي
- وَمَن تُظهِرِ النارُ في دارِهِوَفي زَرعِهِ مِنهُمو يَرعَبِ
- قَدِ اِنصَرَفوا بَعدَ عِلمِ الكِتابِ لِبابٍ مِنَ العِلمِ لَم يُكتَبِ
- حَياةٌ يُغامِرُ فيها اِمرُؤٌتَسَلَّحَ بِالنابِ وَالمِخلَبِ
- وَصارَ إِلى الفاقَةِ اِبنُ الغَنِيّوَلاقى الغِنى وَلَدُ المُترَبِ
- وَقَد ذَهَبَ المُمتَلي صِحَّةًوَصَحَّ السَقيمُ فَلَم يَذهَبِ
- وَكَم مُنجِبٍ في تَلَقِّ الدُروسِ تَلَقّى الحَياةَ فَلَم يُنجِبِ
- وَغابَ الرِفاقُ كَأَن لَم يَكُنبِهِم لَكَ عَهدٌ وَلَم تَصحَبِ
- إِلى أَن فَنوا ثَلَّةً ثَلَّةًفَناءَ السَرابِ عَلى السَبسَبِ