قال سمعت أن ذئبا أبصرا
حجم الخط
- قالَ سَمعتُ أن ذئباً أَبصراغَزالة ترضع خَشفاً أَحوَرَا
- لَكنها مَريضة هَزيلةوَساقَها مَكسورة عَليله
- قَد مَسها الضر فَعادَت نضوايَحسبها الراؤون مِنها شلوا
- فَقالَ إِن أَكلَتها لَم أَشبعوَلَيسَ لَحم مثلها بمقنع
- وَالرَأي أَن أَعلفها أَيامافَإِنَّها لا تَجد الطعاما
- لَعَلَها تسمن ثُم أَعمديَومئذ لَها وَذاك أَرشَد
- فَجاءَها مُسلما فَقالاوَالذئب لا يُصادق الغَزالا
- إِلا لِكَيد كامن وَمَكرجزّ قَصير أَنفه لأَمر
- يا أُخت ما حالك قالَت شروَغَرها وَالشهم لا يغتَر
- وَأظهر اللطف لَها وَالرفقافَقَد رأَتهُ للشقاء حَقا
- وَشَكَت الجُوع إَلَيهِ فَبَكىوَأظهر الخُشوع وَالتنَسكا
- وَقالَ إِني تُبت مِن عداوتيللوحش حَتّى انكسرَت ضَراوَتي
- حَلفتُ لا آكل جهدَ حلفإِلا الَّذي يَموت حتف الأَنف
- فَبئست الطبيعة القَساوةوَالفَتك بِالنُفوس وَالضراوة
- إِن لَم يَكُن جنسَهُم كَجنسيفَإِنَّما نُفوسهُم كَنَفسي
- وَإِن إِفسادي كَون صورهلِشَهوة تعرض أَو ضَروره
- ظُلم وَجَهل لَيسَ فيهِ شَكوَلَستُ مِن إثم بِهِ أنفك
- حَتّى مَتى تَبكي العُيون فَتكىكَم مُقلة مِن سوء فعلي تَبكي
- وَكَبد أَحرَقتها بالثكلوَولد أيتمته بِالأَكل
- وَقَد عَلمت وَاللبيب يَعلمبالطبع لا يَرحم مَن لا يرحَم
- فَتُبت مِن قَساوَتي وَصبوتيوَقُلت أمحو حَوبَتي بِتَوبَتي
- وَمَر مِن ساعَتِهِ فَجاءَهابعلف حشت بِهِ أَحشاءَها
- وَلَم يَزَل يعلفها وَيَجتَهدكَيداً وَمَن يَعجَز عَن الأَمر يكد
- وَلَم تَزَل تَدعو لَهُ وَتشكرهمُذ صدقت مِن نسكهِ ما يذكره
- لَم تَدرِ كَيفَ قصد أَن يكيدَهاأَضحى يقوتها لِكي يَقودَها
- حَتّى إِذا ما رَجعت كَالتولبوَأَصبَحَت مِن شحمها كَالشوقب
- عافصها بوثبة شَديدهمحكماً أَنيابه الحَديده
- وَهَكَذا لَو تَفهَمون الأنسيبركم أَرفقهم لِيَقسو
- وَأَنتُم لِقلة الأفهاموَسفه العُقول وَالأَحلام
- تَرون سوء فعلهم عَياناوَلا تَرونَ ذالِكُم عُدوانا
- إن أَقل مَن تَرى أَذهانامن حسب الإِساءة الإِحسانا
- قالَ أَبو أَيوب في جَوابهقَد يغلب المَرء عَلى صَوابه
- إِنكَ ما أنصفت في المَقالوَلا عَدَوت زُخرف المحال
- لزمت للجهل قَبيح الظاهروَما نَظَرت حسن السَرائر
- وَذاكَ فاعلم عادة الجهالوَسنة الأَغمار وَالأرذال
- إن يَقصدوا ظَواهر الأَقوالبِالطعن وَالتَزييف بِالجدال
- وَيَغفَلون عَن خَفيِّ الحكمهوَلَو رَأوها لأَزالوا النهمه
- كَم حسن ظاهر قَبيحوَسمج عُنوانهُ مَليح
- وَحكمة خافية وَمصلحهللناس في مَعارض مُستقبحه
- تخفى عَلى الجهال وَالأَغمارلجهلهم بحكمة الجبار
- من عَرَفَ اللَّه أَزال التهمهوَقال كُل فعله للحكمه
- قَد تَضرب الأُم الرؤوم طِفلَهافَهَل يَذم ذو رَشاد فعلها
- لعلمهم بِأَنَّها شَفيقهعَلى بَنيها وَبِهم رَفيقه
- وَإِنَّما تَضربه لنفعهوَزَجره عَن غَيهِ وَمَنعه
- لأَنَّها أَعلَم بِالمصالحمِنهُ وَأَهدى للسبيل الواضِح
- وَإِن مَن يَقصد قَلعَ ضرسهلَم يَعتمد إِلا صَلاحَ نَفسه
- وَقَد تَرى شَيخاً كَبيراً فانياًعاش عَقيماً يَرهب المواليا
- وَيَسأَلُ اللَّه تَعالى وَلَداحَتَّى إِذا رزقه ما نَشَدا
- وَجاءهُ ابن ذكر مثل القَمَروَالشيخ ذو مال كَثير وَبَدر
- أسلمه لِقسوة المعلمولَم يَكُن عَلَيهِ ذا ترحم
- يَقتل في المَكتَب بِالهراجروَيَقطَع الليل بجفن ساهر
- حَتّى إِذا ما أتقن الآداباألزمه الدكان وَالعَذابا
- وَرُبَّما خاطر في البَحر بِهِمِن بَعدِ ما قاساه في مَكتبه
- فَهَل يَقول قائل قَد خرفوإنَّهُ بِفعله ما أنصَفا
- إِذ هُو ذو مال كَثير العَددوَما أَتاهُ غَير هَذا الوَلَد
- فلِم بِأَصناف الأَذى يعذبهالمال يَكفيهِ فَلَم يهذبه
- لِمَ لا يَكون وادِعاً في أَهلهمقتَنِعاً بِماله وَجَهله
- وَهَكَذا الطبيب إِذ يُداويبِالقَطع وَالمسهل وَالمكاوى
- وَحقنة وَكية وَقَطعوَمنضج صَعب شَديد اللذع
- وَرَبنا قَد خَلَق السِّباعاوَحَشَرات خبثت طِباعا
- وَفي الجَميع حكمة خَفيهلِلَّهِ بَل ظاهِرة جَليه
- إِن الَّذي في خَلقِهِ اِستَوَيناهُوَ الَّذي فَضلهم عَلَينا
- وَلَيسَ ذاكَ مِنهُم بِظلملأَنَّهُم يَأتونه عَن علم
- فَقالَت العَنقاء إِن الموقاظَن الفَتى عَدوه صَدوقا
- إِن الجَهول بَينَنا نعلمههُوَ الَّذي ينصف من يَظلمه
- فَما تَقول الخَيل فيما قَد جَرىقُلنَ صَواب كُل ما قَد ذَكَرا
- لأَنَّهُم ملاكنا والمالكلَيسَ لَهُ في أَمرِهِ مُشارك
- يَفعَل ما شاءَ بِلا اِستثناءمُختَبِراً للعبد بِالبَلاء
- يَصبر للقَضاء أَم لا يَصبروَهوَ بِهِ من قَبل ذاكَ يخبر
- قالَ لَهُ لَقَد جَمَعت كذباوَسَفهاً وَقَد أَتَيت عَجبا
- زَعمت أن الإِنس ملاكٌ لَكُموَمحسنون في الَّذي جاءوا بِكُم
- وَإِن رَب العَرش قَد سَلطَهُمعَلَيكُم حَقاً وَقَد بَسطهم
- مِن أَين قُلت ذاكَ يا مَسكينابن لي الحَق فَما يَبين
- أَي دَليل لَكَ في ذي الدعوىلِتَجعل الشُكر مَكان الشكوى
- إِن قُلت قالوا قُلت دَعوى مِنهُممثلك يَرويها لمثلي عَنهُم
- وَأَن تَقل بِالرأي وَالعُقولفَإِنَّهُ مُشتَرك الدليل
- لَو كانَ مَعقولاً فَهمناه مَعاًإِذ اِستَوَينا في العُقول أَجمَعا
- إِن كانَت القُدرة حَقاً فَكَذاحق عَلَيهم ما لَقوا مِن الأَذى
- وَكُل ما يَجري عَلَيهم حَقوَكُل ما يُقال فيهم صدق
- وَلَيسَ في العالم ظلم جارإِذ كل ما يَجري بِإذن الباري
- وَإِن يَكونوا مَلَكوا أَفهاماوَفطنةً ساسوا بِها الأَناما
- فَذاكَ يَنهاهم عَن العُدوانأَجَل وَيَدعوهم إِلى الإِحسان
- وَلَيسَ مِن عَقل الفَتى وَكَرَمهإِفساد شَخص كامل لقرمه
- وَكانَ في الخَيل حصان أَشقَرلَهُ رواء حسن وَمَنظَر
- يُدعى الصبا لرفقه وَسرعتهفي جريه وَشده وَخفته
- فَقالَت العَنقاء قَول منكرلِقَوله ما أَنتَ إِلا مفتر
- مُكابِرٌ مُعاند محرفوَفي الجِدال ظالم لا تنصف
- هَذا جحود ظاهر للصانعوَقَصده بِالحَق وِالشرائع
- قالَ وَما فيهِ مِن الجحودوَالكُفر بِالرسل وَبِالمَعبود
- قالَت أَما علمت أَن الصانِعاأَجرى القَضاء مُعطياً وَمانِعا
- وَموجد الخَلق عَلى النظامقَصداً إِلى مَصالح الأَنام
- مِن أَجلِهم أَوجد كُل شَيءوَكُل رُشد في الوَرى وَغى
- وَالأَرض دار لَهُم وَالفلكسَقف لَهُم وَجوه وَالحبك
- وَكُل ما في الأَرض مِن موجودلَهُم بِلُطف الصانع المَعبود
- لَما اِرتَضى الإِنسان بِالتكليفحَباهُ بِالإِكرام وَالتشريف
- وَاختَصهُ بِالسر وَالمُعاملهفَضلاً وَنَفساً للعلوم قابله
- وَالوَحي وَالثَواب وَالعِقابوَالوَعظ وَالعِتاب وَالحِساب
- وَالعَقل وَالنطف وَحُسن السيرهوَالفَهم وَالنية وَالسريره
- فكانَ أَعلى العالمين رتبهوَخَيرهم مَنزِلَة وَقربه
- وَلَم يَكُن مَقصوده بِالخلقإِلا بَني آدم فَاِسمَع صدقي
- لِيَعبُدوه وَيوحدوهوَيَشكروه وَيُمَجِدوه
- فَكانَ كُل الخَلق عَبداً لَهُموَلَستُ في مَقالتَي أتهم
- وَكُل ما يَظهَر مِنهُم عَدللَيسَ عَلَيهم سبة وَعَذل
- جباههم مِن أَثر السجودمَوسومة في خدمة المَعبود
- قَد نَحلوا بِالصوم وَالعِبادهوَرَفضوا اللذات للزهاده
- قُلوبهُم مَعادن الإِيمانصُدورهم خَزائن القُرآن
- وَفيهم الإِيثار وَالسخاءوَالصبر وَالوَفاء وَالصفاء
- كَم دَعوات لَهُم مُجابَهتَستَنزل القطر مِن السحابه
- وَمِنهُم مَن يَترُك الحَلالاتَورعا لربِهِ تَعالى
- وَمِنهُم من يُنفق الأَموالالوجهِهِ وَيلطف السُؤالا
- وَمِنهُم مُجاهد بِنَفسِههادِئَةً في الروع مثل تُرسه
- وَمَن يُذيب نَفسه للحجمِن كُل فَج شاسع وَنَهج
- وَالأَنبياء مِنهُم وَالرسلوَالمال وَالسلطان وَهوَ ظل
- وَفيهم حَزم وَعَزم وَصلفوَلَيسَ بَعدَ العَقل وَالنطق شَرَف
- وَلَهُم اللذات في المَطاعموَلبس كُل رائق وَناعم
- لَولا بَنو آدم بَينَ العالمما بانَ لِلعُقول فَضل العالم
- وَلَم تَبن هَذي المَعالي الفاخرهفَإِنَّما الدنيا لَهُم وَالآخره
- أَنسابهم مَحفوظة مَعروفهفي صُحف مَصونة مَكنوفه
- أَسرارهم خافية لا تظهرمَستورة عَن الوَرى لا تنظر
- وَفيهم العُلوم وَالآدابوَلَهُم الأَحلام وَالأَلباب
- قَد خلقوا في أَحسَن التقويموَفضلوا بِالقَدر وَالجسوم
- وَإِنَّما أَجسامهُم عَلى قَدرلا صغرٌ يَشينها وَلا كبر
- وَقامة سَوية مَنصوبهوَصورة مَقبولة مَحبوبه
- ثُم الصغير مِنهُم بِعَقلهيَقود أَلفاً مِنكُم بِحبله
- وَيَقهر الفيل العَظيم وَالأَسَدبِكَيده حَتّى يَعود كَالفَهَد
- وَيَرصد النجوم في أَفلاكِهاوَيَحفَظ الجُسوم مِن هلاكِها
- بِالطب وَالتدبير وَالمُعالجهمِن الشكايا وَالبَلايا الهائِجَه
- وَإِنَّما أَنتُم بِكُفر فَضلِهموَذم ما لَم تَعرِفوا مِن فعلهم
- كَاِمرَأة التاجر ضعف عَقلهاوَالجَهل أَغراها بِعَيب بعلها
- عابثة بِالفَضل وَالمَحاسنلجهلها بِزائن وَشائن
- فَقال من هَذي وَكَيفَ القصهوَلم بِنا أَمثالها مُختَصه