قال سمعت أن ذئبا أبصرا

ابن الهباريةعباسيالرجزالراء

حجم الخط
  1. قالَ سَمعتُ أن ذئباً أَبصراغَزالة ترضع خَشفاً أَحوَرَا
  2. لَكنها مَريضة هَزيلةوَساقَها مَكسورة عَليله
  3. قَد مَسها الضر فَعادَت نضوايَحسبها الراؤون مِنها شلوا
  4. فَقالَ إِن أَكلَتها لَم أَشبعوَلَيسَ لَحم مثلها بمقنع
  5. وَالرَأي أَن أَعلفها أَيامافَإِنَّها لا تَجد الطعاما
  6. لَعَلَها تسمن ثُم أَعمديَومئذ لَها وَذاك أَرشَد
  7. فَجاءَها مُسلما فَقالاوَالذئب لا يُصادق الغَزالا
  8. إِلا لِكَيد كامن وَمَكرجزّ قَصير أَنفه لأَمر
  9. يا أُخت ما حالك قالَت شروَغَرها وَالشهم لا يغتَر
  10. وَأظهر اللطف لَها وَالرفقافَقَد رأَتهُ للشقاء حَقا
  11. وَشَكَت الجُوع إَلَيهِ فَبَكىوَأظهر الخُشوع وَالتنَسكا
  12. وَقالَ إِني تُبت مِن عداوتيللوحش حَتّى انكسرَت ضَراوَتي
  13. حَلفتُ لا آكل جهدَ حلفإِلا الَّذي يَموت حتف الأَنف
  14. فَبئست الطبيعة القَساوةوَالفَتك بِالنُفوس وَالضراوة
  15. إِن لَم يَكُن جنسَهُم كَجنسيفَإِنَّما نُفوسهُم كَنَفسي
  16. وَإِن إِفسادي كَون صورهلِشَهوة تعرض أَو ضَروره
  17. ظُلم وَجَهل لَيسَ فيهِ شَكوَلَستُ مِن إثم بِهِ أنفك
  18. حَتّى مَتى تَبكي العُيون فَتكىكَم مُقلة مِن سوء فعلي تَبكي
  19. وَكَبد أَحرَقتها بالثكلوَولد أيتمته بِالأَكل
  20. وَقَد عَلمت وَاللبيب يَعلمبالطبع لا يَرحم مَن لا يرحَم
  21. فَتُبت مِن قَساوَتي وَصبوتيوَقُلت أمحو حَوبَتي بِتَوبَتي
  22. وَمَر مِن ساعَتِهِ فَجاءَهابعلف حشت بِهِ أَحشاءَها
  23. وَلَم يَزَل يعلفها وَيَجتَهدكَيداً وَمَن يَعجَز عَن الأَمر يكد
  24. وَلَم تَزَل تَدعو لَهُ وَتشكرهمُذ صدقت مِن نسكهِ ما يذكره
  25. لَم تَدرِ كَيفَ قصد أَن يكيدَهاأَضحى يقوتها لِكي يَقودَها
  26. حَتّى إِذا ما رَجعت كَالتولبوَأَصبَحَت مِن شحمها كَالشوقب
  27. عافصها بوثبة شَديدهمحكماً أَنيابه الحَديده
  28. وَهَكَذا لَو تَفهَمون الأنسيبركم أَرفقهم لِيَقسو
  29. وَأَنتُم لِقلة الأفهاموَسفه العُقول وَالأَحلام
  30. تَرون سوء فعلهم عَياناوَلا تَرونَ ذالِكُم عُدوانا
  31. إن أَقل مَن تَرى أَذهانامن حسب الإِساءة الإِحسانا
  32. قالَ أَبو أَيوب في جَوابهقَد يغلب المَرء عَلى صَوابه
  33. إِنكَ ما أنصفت في المَقالوَلا عَدَوت زُخرف المحال
  34. لزمت للجهل قَبيح الظاهروَما نَظَرت حسن السَرائر
  35. وَذاكَ فاعلم عادة الجهالوَسنة الأَغمار وَالأرذال
  36. إن يَقصدوا ظَواهر الأَقوالبِالطعن وَالتَزييف بِالجدال
  37. وَيَغفَلون عَن خَفيِّ الحكمهوَلَو رَأوها لأَزالوا النهمه
  38. كَم حسن ظاهر قَبيحوَسمج عُنوانهُ مَليح
  39. وَحكمة خافية وَمصلحهللناس في مَعارض مُستقبحه
  40. تخفى عَلى الجهال وَالأَغمارلجهلهم بحكمة الجبار
  41. من عَرَفَ اللَّه أَزال التهمهوَقال كُل فعله للحكمه
  42. قَد تَضرب الأُم الرؤوم طِفلَهافَهَل يَذم ذو رَشاد فعلها
  43. لعلمهم بِأَنَّها شَفيقهعَلى بَنيها وَبِهم رَفيقه
  44. وَإِنَّما تَضربه لنفعهوَزَجره عَن غَيهِ وَمَنعه
  45. لأَنَّها أَعلَم بِالمصالحمِنهُ وَأَهدى للسبيل الواضِح
  46. وَإِن مَن يَقصد قَلعَ ضرسهلَم يَعتمد إِلا صَلاحَ نَفسه
  47. وَقَد تَرى شَيخاً كَبيراً فانياًعاش عَقيماً يَرهب المواليا
  48. وَيَسأَلُ اللَّه تَعالى وَلَداحَتَّى إِذا رزقه ما نَشَدا
  49. وَجاءهُ ابن ذكر مثل القَمَروَالشيخ ذو مال كَثير وَبَدر
  50. أسلمه لِقسوة المعلمولَم يَكُن عَلَيهِ ذا ترحم
  51. يَقتل في المَكتَب بِالهراجروَيَقطَع الليل بجفن ساهر
  52. حَتّى إِذا ما أتقن الآداباألزمه الدكان وَالعَذابا
  53. وَرُبَّما خاطر في البَحر بِهِمِن بَعدِ ما قاساه في مَكتبه
  54. فَهَل يَقول قائل قَد خرفوإنَّهُ بِفعله ما أنصَفا
  55. إِذ هُو ذو مال كَثير العَددوَما أَتاهُ غَير هَذا الوَلَد
  56. فلِم بِأَصناف الأَذى يعذبهالمال يَكفيهِ فَلَم يهذبه
  57. لِمَ لا يَكون وادِعاً في أَهلهمقتَنِعاً بِماله وَجَهله
  58. وَهَكَذا الطبيب إِذ يُداويبِالقَطع وَالمسهل وَالمكاوى
  59. وَحقنة وَكية وَقَطعوَمنضج صَعب شَديد اللذع
  60. وَرَبنا قَد خَلَق السِّباعاوَحَشَرات خبثت طِباعا
  61. وَفي الجَميع حكمة خَفيهلِلَّهِ بَل ظاهِرة جَليه
  62. إِن الَّذي في خَلقِهِ اِستَوَيناهُوَ الَّذي فَضلهم عَلَينا
  63. وَلَيسَ ذاكَ مِنهُم بِظلملأَنَّهُم يَأتونه عَن علم
  64. فَقالَت العَنقاء إِن الموقاظَن الفَتى عَدوه صَدوقا
  65. إِن الجَهول بَينَنا نعلمههُوَ الَّذي ينصف من يَظلمه
  66. فَما تَقول الخَيل فيما قَد جَرىقُلنَ صَواب كُل ما قَد ذَكَرا
  67. لأَنَّهُم ملاكنا والمالكلَيسَ لَهُ في أَمرِهِ مُشارك
  68. يَفعَل ما شاءَ بِلا اِستثناءمُختَبِراً للعبد بِالبَلاء
  69. يَصبر للقَضاء أَم لا يَصبروَهوَ بِهِ من قَبل ذاكَ يخبر
  70. قالَ لَهُ لَقَد جَمَعت كذباوَسَفهاً وَقَد أَتَيت عَجبا
  71. زَعمت أن الإِنس ملاكٌ لَكُموَمحسنون في الَّذي جاءوا بِكُم
  72. وَإِن رَب العَرش قَد سَلطَهُمعَلَيكُم حَقاً وَقَد بَسطهم
  73. مِن أَين قُلت ذاكَ يا مَسكينابن لي الحَق فَما يَبين
  74. أَي دَليل لَكَ في ذي الدعوىلِتَجعل الشُكر مَكان الشكوى
  75. إِن قُلت قالوا قُلت دَعوى مِنهُممثلك يَرويها لمثلي عَنهُم
  76. وَأَن تَقل بِالرأي وَالعُقولفَإِنَّهُ مُشتَرك الدليل
  77. لَو كانَ مَعقولاً فَهمناه مَعاًإِذ اِستَوَينا في العُقول أَجمَعا
  78. إِن كانَت القُدرة حَقاً فَكَذاحق عَلَيهم ما لَقوا مِن الأَذى
  79. وَكُل ما يَجري عَلَيهم حَقوَكُل ما يُقال فيهم صدق
  80. وَلَيسَ في العالم ظلم جارإِذ كل ما يَجري بِإذن الباري
  81. وَإِن يَكونوا مَلَكوا أَفهاماوَفطنةً ساسوا بِها الأَناما
  82. فَذاكَ يَنهاهم عَن العُدوانأَجَل وَيَدعوهم إِلى الإِحسان
  83. وَلَيسَ مِن عَقل الفَتى وَكَرَمهإِفساد شَخص كامل لقرمه
  84. وَكانَ في الخَيل حصان أَشقَرلَهُ رواء حسن وَمَنظَر
  85. يُدعى الصبا لرفقه وَسرعتهفي جريه وَشده وَخفته
  86. فَقالَت العَنقاء قَول منكرلِقَوله ما أَنتَ إِلا مفتر
  87. مُكابِرٌ مُعاند محرفوَفي الجِدال ظالم لا تنصف
  88. هَذا جحود ظاهر للصانعوَقَصده بِالحَق وِالشرائع
  89. قالَ وَما فيهِ مِن الجحودوَالكُفر بِالرسل وَبِالمَعبود
  90. قالَت أَما علمت أَن الصانِعاأَجرى القَضاء مُعطياً وَمانِعا
  91. وَموجد الخَلق عَلى النظامقَصداً إِلى مَصالح الأَنام
  92. مِن أَجلِهم أَوجد كُل شَيءوَكُل رُشد في الوَرى وَغى
  93. وَالأَرض دار لَهُم وَالفلكسَقف لَهُم وَجوه وَالحبك
  94. وَكُل ما في الأَرض مِن موجودلَهُم بِلُطف الصانع المَعبود
  95. لَما اِرتَضى الإِنسان بِالتكليفحَباهُ بِالإِكرام وَالتشريف
  96. وَاختَصهُ بِالسر وَالمُعاملهفَضلاً وَنَفساً للعلوم قابله
  97. وَالوَحي وَالثَواب وَالعِقابوَالوَعظ وَالعِتاب وَالحِساب
  98. وَالعَقل وَالنطف وَحُسن السيرهوَالفَهم وَالنية وَالسريره
  99. فكانَ أَعلى العالمين رتبهوَخَيرهم مَنزِلَة وَقربه
  100. وَلَم يَكُن مَقصوده بِالخلقإِلا بَني آدم فَاِسمَع صدقي
  101. لِيَعبُدوه وَيوحدوهوَيَشكروه وَيُمَجِدوه
  102. فَكانَ كُل الخَلق عَبداً لَهُموَلَستُ في مَقالتَي أتهم
  103. وَكُل ما يَظهَر مِنهُم عَدللَيسَ عَلَيهم سبة وَعَذل
  104. جباههم مِن أَثر السجودمَوسومة في خدمة المَعبود
  105. قَد نَحلوا بِالصوم وَالعِبادهوَرَفضوا اللذات للزهاده
  106. قُلوبهُم مَعادن الإِيمانصُدورهم خَزائن القُرآن
  107. وَفيهم الإِيثار وَالسخاءوَالصبر وَالوَفاء وَالصفاء
  108. كَم دَعوات لَهُم مُجابَهتَستَنزل القطر مِن السحابه
  109. وَمِنهُم مَن يَترُك الحَلالاتَورعا لربِهِ تَعالى
  110. وَمِنهُم من يُنفق الأَموالالوجهِهِ وَيلطف السُؤالا
  111. وَمِنهُم مُجاهد بِنَفسِههادِئَةً في الروع مثل تُرسه
  112. وَمَن يُذيب نَفسه للحجمِن كُل فَج شاسع وَنَهج
  113. وَالأَنبياء مِنهُم وَالرسلوَالمال وَالسلطان وَهوَ ظل
  114. وَفيهم حَزم وَعَزم وَصلفوَلَيسَ بَعدَ العَقل وَالنطق شَرَف
  115. وَلَهُم اللذات في المَطاعموَلبس كُل رائق وَناعم
  116. لَولا بَنو آدم بَينَ العالمما بانَ لِلعُقول فَضل العالم
  117. وَلَم تَبن هَذي المَعالي الفاخرهفَإِنَّما الدنيا لَهُم وَالآخره
  118. أَنسابهم مَحفوظة مَعروفهفي صُحف مَصونة مَكنوفه
  119. أَسرارهم خافية لا تظهرمَستورة عَن الوَرى لا تنظر
  120. وَفيهم العُلوم وَالآدابوَلَهُم الأَحلام وَالأَلباب
  121. قَد خلقوا في أَحسَن التقويموَفضلوا بِالقَدر وَالجسوم
  122. وَإِنَّما أَجسامهُم عَلى قَدرلا صغرٌ يَشينها وَلا كبر
  123. وَقامة سَوية مَنصوبهوَصورة مَقبولة مَحبوبه
  124. ثُم الصغير مِنهُم بِعَقلهيَقود أَلفاً مِنكُم بِحبله
  125. وَيَقهر الفيل العَظيم وَالأَسَدبِكَيده حَتّى يَعود كَالفَهَد
  126. وَيَرصد النجوم في أَفلاكِهاوَيَحفَظ الجُسوم مِن هلاكِها
  127. بِالطب وَالتدبير وَالمُعالجهمِن الشكايا وَالبَلايا الهائِجَه
  128. وَإِنَّما أَنتُم بِكُفر فَضلِهموَذم ما لَم تَعرِفوا مِن فعلهم
  129. كَاِمرَأة التاجر ضعف عَقلهاوَالجَهل أَغراها بِعَيب بعلها
  130. عابثة بِالفَضل وَالمَحاسنلجهلها بِزائن وَشائن
  131. فَقال من هَذي وَكَيفَ القصهوَلم بِنا أَمثالها مُختَصه