أنظر إلى ذاك الجدار الحاجب
جبران خليل جبرانمتأخرالكاملالباء
حجم الخط
- أُنْظُرْ إلى ذَاكَ الْجِدَارِ الحَاجِبِمَا السَّدُّ فِيمَا حَدَّثُوا عَنْ مَأْرِبِ
- هُوَ فِي الْحَدِثِ مِنَ الْبِنَاءِ غَرِيبُةٌزَانَ الْقَدِيمُ جِوَارَهَا بِغَرَائِبِ
- إِحْدَى الْعَجَائِبِ فِي بِلاَدٍ لَمْ تَزَلْمِنْ مَبْدَإِ الدُّنْيَا بِلاَدَ عَجَائِبِ
- حُسْنُ الطَّبيَعَةِ أَكْمَلَتْهُ صِنَاعَةٌلِلنَّفعِ فِيهَا بَيِّناتُ مَآرِبِ
- شُطِرَ الْعَقِيقُ فَفَائِضٌ فِي جَانِبٍمَجْرَى الْحَيَاةِ وَغَائِضٌ فِي جَانِبِ
- أَلنِّيلُ خَلْفَ السَّدِّ بَحْرٌ غامِرٌلاَ تُسْتَقَلُّ بِهِ صِغَارُ مَرَاكِبِ
- بَلَغَ السَّوَامِقَ فِي النَّخِيلِ فَزَيَّنَتْتِيجَانُهَا صَفَحَاتِهِ بِرَوَاكِبِ
- وَالْغَوْرُ بَيْنَ يَدِيْهِ مَرْمىً شَاسِعٌلِلْمَاءِ فِي قَاعٍ كَثِيرِ جَنَادِبِ
- لاَ تَنْتَهِي صَفْوَاؤُهُ إِلاَّنِيلٍ تَجَدَّدَ مِنْ شَتِيتِ مَسَارِبِ
- لَمْ يَحْتَبَسْ نَهْرٌ بِسَدٍّ قَبْلَهُضَخْمٍ ضَخَامَتَهُ عَرِيض الْغَارِبِ
- يَجْتَازُ مَنْ يَعْلُوهُ نَهْجاً نَائِياًطَرَفَاهُ تَحْمِلُهُ ضِخَامُ مَنَاكِبِ
- أَتَرَى هُنَالِكَ فِي ثِيَابٍ رَثَّةٍأَشْتَاتَ حُسْنٍ جُمِّعتْ فِي قَالَبِ
- فَلاَّحَةً جَثَمَتْ بِأَدْنَى مَوْقِعٍلِلظِّل مِنْ الطَّرِيقِ اللاَّحِبِ
- لاَنَتْ مَعَاطِفُهُا وَصَالَتْ عِزَّةٌقَعْسَاءُ مِنْ أَجْفَانِهَا بِقَوَاضِبِ
- أَدْمَاءُ إِلاَّ أَنَّ كُدْرَةَ عَيْشِهَاشَابَتْ وَضَاءَةُ لَوْنِهَا بِشَوَائِبِ
- هِيَ أُمُّ طِفْلٍ شُقَّ عَنْهُ طَوْقُهُوَتَرَى نَضَارَتَهَا نَضَارَةَ كَاعِبِ
- طَالَ المَسِيرُ بِهَا فَأَعْيَتْ فَاسْتَوَتْتَبْغِي الْجَمَامَ مِنَ المَسِيرِ النَّاصِبِ
- أَلْوَتْ كَمَا يُلْقِي الضَّعِيفُ بِحِمْلِهِوَسْنَى وَقَدْ يَغْفُو ضَمِيرُ اللاَّغِبِ
- وَثَوَى ابْنُهَا ويَدَاهُ مِلْؤُهُمَا حصىًمَلْسَاءُ يَلْعَبُ فِي مَكَانٍ صَاقِبٍ
- أَمِنَتْ عَلَيْهِ وَالحَدِيدُ حِيَالَهُكَأَضَالِعٍ مَشْبُوكَةٍ وَرَوَاجِبِ
- وَالجِسْرُ مَمْتَدٍّ قَوِيمٌ لاَ تَرَىفِيهِ مَظِنَّة خَاطِفٍ أَوْ سَالِبِ
- لَكِنَّ أَبْنَاءَ الجَمَاهِيرِ ابْتُلُوافِي الشَّرْقِ مِنْ قِدَم بِخَطْبٍ حَازِبٍ
- لِلْجَهْلِ فِيهِمْ سُلْطَةٌ أَمَّارَةٌبِالسُّوءِ غَيْرُ بَصِيرَةٍ بَعَوَاقِبِ
- أَوْدَتْ بِجِيلٍ بَعْدَ جِيلٍ مِنْهُمُلاَ بِدْعَ إِنْ أَوْدَتْ بِطِفْلٍ لاَعِبِ
- خَدَعَتْهُ أَصْوَاتُ الهَدِير وَشَاقَهُقَرْعُ الطُّبولِ بِهَا وَنَفْخُ القَاصِبِ
- فَاسْتَدْرَجَتْهُ وَحَرَّكَتْ أَقْدَامَهُنَحْوَ الفَرَاغِ ويَا لَهُ مِنْ جَاذِبِ
- فَأَطَلَّ والمَهْوَى سَحِيقٌ دُونَهُوَالعُمْقُ لِلأَبْصَارِ أَقْوَى جَالِبِ
- حَتَّى إِذَا فَعَلَ الدُّوَارُ بِرَأْسِهِفِعْلَ الطِّلاَ دَارَتْ بِرَأْسِ الشَّارِب
- زَلَّتْ بِهِ قَدَمٌ إلى مُتَحَدَّرٍلِلْمَاءِ مُبْيَضِّ الجَوَانِبِ صَاخِبِ
- فَدَعَا بِيَا أُمَّاهُ حِينَ سُقُوطِهِوَطَوَاهُ دُرْدُورُ الأَتِيِّ السَّارِبِ
- هَبَّت لِتَلْبِيَةِ ابْنِهَا وَتَرَاكَضتْمِنْ كلِّ نَاحِيَةٍ بِقَلْبٍ وَاجِبِ
- مَرَّتْ وَكَرَّتْ لاَ تَعِي وَتَعَثَّرَتْيُمْنَى وَيُسْرَى بِالرَّجَاءِ الخَائِبِ
- فَتَدَافَعَتْ نَحْوَ الشَّفِيرِ وَمَا لَهَالَوْنٌ سِوَى لَوْنِ القُنُوطِ الشَّاحِبِ
- تَرْنُو بِعَيْنٍ أُفْرِغَتْ مِنْ نُورِهَاوَتَمَدَّدَتْ أَرَأَيْتَ عَينَ الهَائِبِ
- فَإِذَا شِعَابُ النّهْرِ تَذْهَبُ بِابْنِهَافِي فَجْوَةِ الَوادِي ضُرُوبَ مَذَاهِبِ
- فَاظْنُنْ بِرَوْعَتِهَا وَسُرْعَةِ عَدْوِهَانحْوَ العَقِيقِ وَدَمْعِهَا المُتَسَاكِبِ
- فِي ذلِكَ المِيقَاتِ أَقْبَلَ يَافِعٌبِوِسَامِ كَشَّافٍ وَبِزَّةِ طَالبِ
- قَبَلٌ لِلِينِ الأَسْمَرِ الخَطِّي فِيلَوْنٍ إلى صَدَإِ المُهَنَدِ ضَارِبِ
- مِنْ فِتْيَةِ الزَّمَنِ الَّذِينَ سَمَا بِهِمْمَوْفُورُ آدَابٍ وَيُمْنُ نَقَائِبِ
- وَتَنَزَّهَتْ أَخْلاَقُهُمْ عَنْ وَصْمَةٍبِتَرَدُّدٍ مُزْرٍ وَجُبْنٍ عَائِبِ
- قَدْ رَاضَ مِنْهُمْ كُلُّ شِبْلٍ بَأْسَهُفَغَدَا كَلَيْثٍ فِي الكَرِيهَةِ دَارِبِ
- صَدَقَتْ مَوَاقِفُهُ لَدَى الجُلَّى فَمَادَعْوَى الشَّجاعَةِ مِنْهُ دَعْوَى كَاذِبِ
- ذَاكَ الفَتَى وَافَى لِيَروِي غُلَّةًبِالنَّفسِ مِنْ عَجَبٍ هُنَالِكَ عَاجِبِ
- مِنْ رَوْعَة النَّهْرِ الحَبِيسِ جَرَتْ بِهِمِنْ مَهْبطٍ عَالٍ عِرَاضُ مَذَانِبِ
- وَجَمَالِ مَا يَبْدُو لَهُ مِنْ جَنَّةٍغَنَّاءَ فِي ذَاكَ المَكَانِ العَاشِبِ
- فَرَأَى ولِيداً دَامِياً مُتَخَبِّطاًبَيْنَ المَسِيلِ وَصَخْرِهِ المُتَكَالِبِ
- وَشَجَاهُ مِنْ أُمِّ الغَرِيقِ تَفَجُّعٌمُتَدَارِكٌ مِنْ مَوْضِعٍ مُتَقَارِبِ
- نَاهِيكَ بِالْيَأْسِ الشَّدِيد وَقَدْ غَدَاكَالنَّبحِ مِنْ جَرَّاهُ نَحْبُ النَّاحِبِ
- أَوْحَى إِلَيهِ قَلْبُهُ مِنْ فَوْرِهِأَنَّ انْتِقَاذَ الطِّفلِ ضَرْبَةُ لاَزِبِ
- سُرْعَانَ مَا أَلْقَى بِوِقْرِ ثِيَابِهِعَنْهُ وَخَفَّ بِعَزْمِ فَهْدٍ وَاثِبِ
- مُتَوَغَّلاً في الْغَمْرِ غَيْرَ مُحَاذِرٍيَحِدُ الرَّدَى أَمَماً وَلَيْسَ بِنَاكِبِ
- مَا زَالَ حَتَّى اسْتُنْفِدَتْ مِنْهُ الْقُوَىهَلْ مِنْ مَرَدٍّ لِلْقَضَاءِ الْغَالِبِ
- أَبْلَى بَلاَءَ الأَبْسَلِينَ فَلَمْ يَقَعْإِلاَّ عَلَى شَجَبٍ هُنَالِكَ شَاجِبِ
- ذَهَبَتْ مُرُوءَتُهُ بِهِ غَضَّ الصِّباللهِ دَرُّكَ فِي الْعُلَى مِنْ ذَاهِبْ
- إِنِّي أَسِيتُ عَلَى الغُلاَمِ وَأُمِّهِلَكِنْ أَسَى مُتَبَرِّمٍ أَوْ غَاضِبِ
- جَزِعٍ عَلَى الأَوْطَانِ مِنْ عِلَلٍ بِهَاوَعَلَى وَلاَةِ الأَمْرِ فِيهَا عَاتِبِ
- لَوْ عُدَّ مَا فَعَلَتْ جَهَالَتُنَا بِنَالَمْ يُحْصِ أَكْثَرَهُ حِسَابُ الْحَاسِبِ
- أَمَّا الَّذِي أَبْكِي رَدَاهُ بِحُرْقَةٍوَبِمَدْمَعٍ مَا عِشْتُ لَيْسَ بِنَاضِبِ
- فَهْوَ الَّذِي دَعَتِ الْحِمِيَّةُ فَانْبَرَىمُتَطَوِّعاً لِفِدَى غَريبٍ شَاذِبِ
- وَشَرَى الْحَيَاةَ لِغَيْرِهِ بِحَيَاتِهِوَالْعَصْرُ عَصْرُ المُسْتَفِيدِ الْكَاسِبِ
- هَذَا هُوَ الْكَشَّافُ أَبْدَعَ مَا يُرَىفِي صُورَةٍ مِنْ شَاعِرٍ أَوْ كَاتِبِ
- وَهَلِ الْفَتَى الْكَشَّافُ إِلاَّ مَنْ رَمَىمَرْمَىً وَلَمْ يَخْشَ اعْتَرِاضَ مَصَاعِب
- وَمَضَى لَطِيفاً فِي ابْتِغَاءٍ مَرَامِهِأَوْ غَيْرَ مُلْوٍ دُونَهُ بِمَعَاطِبِ
- لا يَسْتَهِينُ بِعِرْضِ غَانِيَةٍ وَلاَيَنْسَى أَوَانَ الضَّيمِ حَقَّ الشَّائِبِ
- وَيَكَونُ يَوْمَ السِّلمِ خَيْرَ مَسَالِمٍويَكُونُ يَوْمَ الْحَرْبِ خَيْرَ مُحَارِبِ
- فإِذَا دَعَا دَاعِي الْفِدَاءِ فَإِنَّهُيَقْضِيهِ أَوْ يَقْضِي شَهِيدَ الْوَاجِبِ
- فِي ذِمَّة المَوْلَى شِهَابٌ عَاثِرٌتَبْكِيهِ أُمَّتهُ بِقَلْبٍ ذَائِبِ
- بَاقٍ وإِنْ هُوَ غَابَ سَاطِعُ نُورِهِحَتَّى يُكَادَ يَخَالُ لَيْسَ بِغَائِبِ
- مِصْرٌ تُتَوِّجُهُ بِتَاجِ خَالِدٍيَزْهُو سَنَاهُ عَلَى المَدَى المُتَعَاقِبِ
- وَتَقُولُ قَدْ ثَكِلَتْ سَمَائِي كَوْكَباًلَكِنَّ قُدْوَتَهُ وَلُودُ كَوَاكِبِ