يا ضارب المثل المزخرف مطريا
ابن الروميعباسيالكاملعتابالياء
حجم الخط
- يا ضارب المَثَلِ المزخرفِ مُطْرياًللحقد لم تَقْدح بزَنْدٍ وارِي
- أصبحتَ خصم الحق تهدم ما بنىوالحقُّ محتجٌّ وأنت تُمارِي
- أطريت غثَّك لا سمينك ضلَّةًواخترت من خُلقَيْكَ غيرَ خيارِ
- شبَّهتَ نفسك والأُلى يولونهاآلاءهم بالأرض والعُمَّارِ
- ورأيتَ حفظك ما أتوا من صالحٍأو سيِّئٍ كرماً وعتق نِجارِ
- وزعمتَ فيك طبيعةً أرضيةًيا سابق التقرير بالإقرارِ
- ولقد صدقتَ وما كذبتَ فإنهُلا يُدفَع المعروف بالإنكارِ
- لكن هاتيك الطبيعةَ في الفتىمما تُلِط عليه بالأستارِ
- ولَصمتُهُ عن ذكرها أولى بهمن عدِّها في الفخر عند فخارِ
- فينا وفيك طبيعةٌ أرضيةٌتهوي بنا أبداً لِشرِّ قرارِ
- هبطت بآدمَ قبلنا وبزوجهِمن جنّة الفردوس أفضل دارِ
- فتعوَّضا الدنيا الدنيّة كاسمهامن تلكمُ الجنَّاتِ والأنهارِ
- بئستْ لَعمرُ الله تلك طبيعةًحَرمتْ أبانا قرب أكرم جارِ
- واستأسرتْ ضعفَى بنيه بعدهُفهُمُ لها أسرى بغير إسارِ
- لكنها مأسورةٌ مقسورةٌمقهورة السلطان في الأحرارِ
- فجسومهم من أجلها تهوي بهمونفوسهم تسمو سموّ النارِ
- لولا منازعةُ الجسوم نفوسَهمنفذوا بسَوْرتها من الأقطارِ
- أو قصّروا فتناولوا بأكفهمقمرَ السماء وكلّ نجم ساري
- عَرفوا لروح الله فيهم فضلَ ماقد أثَّرتْ من صالح الآثارِ
- فتنزَّهوا وتعظّموا وتكرمواعن لؤم طبع الطين والأحجارِ
- نزعوا إلى النَّجد الذي منه أتتأرواحهم وسموا عن الأغوارِ
- هذا عبيد الله منهم واحدلكنه هو واحد المِضمارِ
- ملك له هِممٌ تُنيف على العلاويدٌ تطول مواقع الأقدارِ
- وإذا عطا للمجدِ نال بكفهما لا ينال الناس بالأبصارِ
- ولقد رأيت معاشراً جمحتْ بهمتلك الطبيعة نحو كل تَبارِ
- تهوي نفوسُهُم هُوِيَّ جسومهمسِفلاً لكل دناءةٍ وصَغارِ
- تبعوا الهوى فهوى بهم وكذا الهوىمنه الهُوِيُّ بأهله فحَذارِ
- لا ترضَ بالمثل الذي مثَّلْتَهُمثلاً ففيه مقالةٌ للزاري
- وانظر بعين العقل لا عينِ الهوىفالحق للعين الجليَّة عاري
- الأرضُ في أفعالها مضطرةٌوالحيُّ فيه تصرّفُ المختارِ
- فمتى جريتَ على طباعك مثلَهافكأن طِرْفك بعدُ من فخّارِ
- أخرجت من باب المشيئة مثل ماخرجتْ فأنت على الطبيعة جاري
- أنَّى تكون كذا وأنت مُخَيَّرٌمُتَصرف في النقض والإمرارِ
- أين اصطراف الحيّ في أنحائهوحَويلُهُ فيما سوى المقدارِ
- أين اختيار مخيَّرٍ حسناتهإن كنت لست تقول بالإجبارِ
- شهد اتفاقُ الناس طرّاً في الهوىوتفاوتُ الأبرار والفجارِ
- أن الجميع على طباعٍ واحدوبما يرونَ تفاضلُ الأطوارِ
- فمتى رأيت حميدهم وذميمهمفبفضل إيثار على إيثارِ
- قاد الهوى الفجارَ فانقادوا لهوأبتْ عليه مقادةُ الأبرارِ
- لولا صروف الاختيار لأعْنَقوالهوىً كما اتسقت جمال قِطارِ
- ورأيتَهم مثل النجوم فإنهامتتابعاتٌ كلها لمدارِ
- مُتيمِّمات سَمْتَ وجهٍ واحدولها مطالع جمَّةٌ ومَجاري
- فانسَ الحُقود فإنها منسيةٌإلا لدى اللؤماء والأشرارِ
- واعصِ الطباع إذا اطَّباك لحفظهاواختر عليه تَكُنْ من الأخيارِ
- ما زال طبع الأرض يقهر لؤمَهُمَنْ فيه رُوح الواحد القهارِ
- لا تنسَ روحَ الله فيك وأنهاجُعِلت لتصلِح منك كلَّ عُوارِ
- إن الحُقُود إذا تذكرها الفتىتحيا حياة الجمر بالمِسعارِ
- ولعلها إن لا تضرَّ عدوهُوهو المسلِّف عاجل الإضرارِ
- تَصْلَى جوانحُ صدره من حقدهبلهيب جمرٍ ثاقبٍ وأُوارِ
- فلصدرِهِ من ذاك شرُّ بِطانةولقلبه من ذاك شر سُعارِ
- ذاك الذي نقد المكيدة نفسهنقداً وكاد عدوه بِضمارِ
- ما نال منه منالَه من نفسهوِترُ الأُلى وَتَروه بالأوتارِ
- ردّت يداه كَيْدَه في نحرهِوكذا تكون مَكايد الأغمارِ
- وكفى الحقود مهانةً وغضاضةًأن لست تلقاه عدوّ جهارِ
- لكنه يمشي الضَّراء بحقدهليلاً ويَلبد تحت كل نهارِ
- يلقى أعاديه بصفحة ذلةٍسِلمَ اللسان مُحارب الإضمارِ
- لكن أهل الطّوْل من متجاوِزٍومُعاقبٍ جهراً بغير تواري
- طرحوا الضغائن إذ رأوا لنفوسهمخطراً ينيف بها على الأخطارِ
- فانظر بعين الرأي لا عينِ الهوىفالحق للعين الجليّة عاري
- النفسُ خيرك إنها علويةوالجسم شرُّك ليس فيه تماري
- فانقدْ لخيرك لا لشرك واتبِعْأولاهما بالقادرِ الغفّارِ
- كن مثل نفسك في السموّ إلى العلىلا مثل طينة جسمِك الغدّارِ
- فالنفس تسمو نحو علو مليكهاوالجسم نحو السفلِ هاوٍ هاري
- فأعِنْ أحقَّهما بعونك واقتسِرطبع السِّفال بطبعك السَّوَّارِ
- إياك واستضعافَ حقٍّ إنهفي كل حينٍ حاضرُ الأنصارِ
- والحق والشُّبَهُ التي بإزائهكالشمس جاوَرها هلالُ سِرارِ