طغت أمة الجيل الأسود
جبران خليل جبرانمتأخرالمتقاربالدال
حجم الخط
- طَغَتْ أُمَّة الجَبَلِ الأَسْوَدِعَلَى حُكْمِ فَاتِحِهَا الأَيِّدِ
- وَهَبَّت مُنِيخَاتُ أَطْوَادِهَانَوَاشِزَ كَالإِبِلِ الشُّرَّدِ
- وَأَبْلَى النِّساءُ بَلاَءَ الرِّجَلِ لَدَى كُلِّ مُعْتَرَكٍ أَرْبَدِ
- نِسَاءٌ لِدَانُ القُدُودِ لَهَاخُدُودُ كَزَهْرِ الرِّيَاضِ النَّدِي
- تَنَظَّم مِنْ حُسْنِهَا جَنَّةٌعَلَى ذَلِكَ الجَبَلِ الأَجْرَدِ
- وَيَوْمٍ كَأَنَّ شُعَاعَ الصَّباحِ كَسَاهُ مَطَارِفَ مِنْ عَسْجَدِ
- تَفَرَّقَتِ التُّرْكُ فِيهِ عَصَائِبَ كُلُّ فَرِيقٍ عَلَى مَرْصَدِ
- يَسُدُّونَ كُلَّ شِعَابِ الجِبَالِ عَلَى النَّازِلينَ أَوْ الصُّعدِ
- أُسُودٌ تُرَاقِبُ أَمْثَالَهَاوَلاَ يَلْتَقُونَ عَلَى مَوْعِدِ
- وَكَانَ عِدَاهُمْ عَلَى بُؤْسِهِمْوَطُولِ جِهَادِهِمُ المُجْهِدِ
- يُوَافُونَهُمْ بَغَتَاتِ اللُّصُوصِ وَيَرْمُونَ بِالنَّارِ وَالْجَلْمَدِ
- وَيَفْتَرِقونَ تِجَاهَ الصفوفِ وَيَجْتَمِعُونَ عَلَى المُفْرَدِ
- وَيَمْتَنِعُونَ بِكُلِّ خَفِيٍّعَصِيٍّ عَلَى أَمْهَرِ الرُّوَّدِ
- وَأَيُّ رَأَى شَارِداً يَقْتَنِصْهُ وَأَيٌّ رَأَى وَارِداً يَصْطَدِ
- وَيَلْتَقِمُونَ جَنَاحَ الْخَمِيسِ إِذَا الْعَوْنَ أَعْيَى عَلَى المُنْجِد
- مَنَامُهُمُ جَاثِمِينَ وَقُوفاً وَلاَ يَهْجَعُونَ عَلَى مَرْقَد
- وَمَا مِنْهُمُ لِلْعِدَى مُرْشدٌسِوَى غَادِرٍ سَاءَ مِنْ مُرْشد
- إَذَا لَمْ يَقُدْهُمْ إِلى مَهْلِكٍأَضَلَّ بِحِيلَتهِ المُهْتَدي
- وَيَعْتَسِفُ التُّرْكُ فِي كُلِّ صَوْبٍ فَهَذَا يَرُوحُ وَذَا يَغْتَدِي
- وَمَا الترْكُ إِلاَّ شُيُوخُ الحُرُوبِ وَمُرْتَضِعُوهَا مِنَ المَوْلِدِ
- إِذَا أَلْقَحُوها الدِّمَاءَ فَلاَنِتَاجَ سِوَى الفَخْرِ وَالسًّؤْدُدِ
- سَوَاءٌ عَلَى المَجْدِ أَيّاً تَكُنْعَوَاقِبُ إِقْدَامِهِمْ تَمْجُدِ
- وَلَكِنَّ قَوْماً يَذُودُونَ عَنْحَقِيقَتِهِمْ مِنْ يَدِ المُعْتَدِي
- وَتَعْصِمُهُمْ شَامِخَاتُ الجِبَالِ وَكُلُّ مَضِيقٍ بِهَا مُوصَدِ
- وَيَدْفَعُهُمْ حُبُّ أَوْطَانِهِمْوَيَجْمَعُهُمْ شَرَفُ المَقْصِدِ
- لَوِ المَوْتُ مَدَّ إِلَيْهِمْ يَداًلَرَدوهُ عَنْهُمْ كَلِيلَ اليَدِ
- وَكَانَ مِنَ التُّرْكِ جَمْعُ القَلِيلِ عَلَى رَأْسِ مُنْحدَرٍ أَصْلَدِ
- كَثِيرِ الثُّلومِ كَأَنَّ الفَتَىإِذَا زَلَّ يَهْوِي عَلَى مِبْرَدِ
- وَقَدْ نَصَبُوا فَوْقَهُ مِدْفَعاًيَهُزُّ الرَّوَاسِخَ إِنْ يَرْعَدِ
- وَحَفُّوا كَأَشْبَالِ لَيْثٍ بِهِوَهُمْ فِي دِعَابٍ وَهُمْ فِي دَدِ
- فَفَاجَأَهُمْ هَابِطٌ كَالْقَضَاءِ فِي شَكْلِ غَضِّ الصَّبي أَمْرَدِ
- فَتىً كَالصَّباحِ بِإِشْرَاقِهِلَهُ لَفْتَةُ الرَّشَإِ الأَغْيَدِ
- يَدُلُّ سَنَاهُ وَسِيمَاؤُهُعَلَى شَرَفِ الجَاهِ وَالمَحْتَدِ
- تَرُدُّ سَوَاطِعُ أَنوَارِهِسَلِيمَ النَّوَاظِرِ كالأَرْمَدِ
- أَقَبُّ التَّرائِبِ غَضُّ الرَّوَادِفِ يَخْتَالُ عَنْ غُصْنٍ أَمْيَدِ
- لَهِيبُ الحُرُوبِ عَلَى وَجْنَتَيْهِ وَالنَّقعُ فِي شَعْرَهِ الأَسْوَدِ
- وَفِي مِحْجَرَيْهِ بَرِيقُ السُّيوفِ وَظِلُّ المَنِيَّة فِي الأُثْمُدِ
- فَأَكْبَرَ كُلُّهُمُ أَنَّهُرَآهُ تَجَلَّى وَلَمْ يَسْجُدِ
- وَظَنُّوهُ مُسْتَنْفَراً هَارِباًأَتَاهُمْ بِذلَّة مُسْتَنْجِدِ
- وَلَمْ يَحْسَبُوا أَنَّ ذَا جُرْأَةٍيُهَاجِمُ جَمْعاً بِلاَ مُسْعِدِ
- تَبَيَّن هُلْكاً فَلَمْ يَخْشَهُوَأَقْدَمَ إَِقْدَامَ مُسْتَأْسِدِ
- فَأَفْرَغَ نَارَ سُدَاسِيَّهِعَلَى القَوْمِ أَيَّا تُصِبْ تُقْصِد
- وَضَارَبَ بِالسَّيفِ يُمْنَى وَيُسْرَى فَأَيْنَ يُصِبْ مَغْمَداً يُغْمِدِ
- سَقَى الصَّخرِ مِنْ دَمِهِمْ فَارْتَوَىوَلَمْ يَشْفِ مِنْهُ الفُؤَادَ الصَّدي
- فَمَا لَبِثُوا أَنْ أَحَاطُوا بِهفَدَانَ لِكَثْرَتِهِمْ عَنْ يَدِ
- وَلَوْلاَ اتِّقاءُ الخِيَانَة فِيه لَكَان الأَلَدُّ لهُ يَفْتَدي
- فَلَمَّا احْتَوَاهُ مَقَرُّ الأَمِييرِ مَقُوداً وَمَا هُوَ بِالْقَيِّد
- أَشَارَ وَمَا كَادَ يَرْنُو إِلَيْه بِأَنْ يَقْتُلُوهُ غَدَاةَ الغَدِ
- فَأَقْصَي الفَتَى عَنْهُ حُرَّاسَهُوَشَقَّ عَنِ الصَّدْرِ مَا يَرْتَدي
- وَأَبْرَزَ نَهْدَيْ فَتَاةٍ كِعَابٍ بِطَرْفٍ حَيِيٍّ وَوَجْهٍ نَدِي
- كَحُقَّي لُجَيْنٍ بِقُفْلَيْ عَقِييقٍ وَكَنْزَيْنِ فِي رَصَدٍ مُرْصَدِ
- فَكَبَّرَ مِمَّا رَآهُ الأَمِيرُ وَهَلَّلَ أَشْهَادُ ذَاكَ النَّدِي
- وَرَاعَهُمُ ذَلِكَ التَّوْأَمَانِ وَطَوْقَاهُمَا مِنْ دَمِ الأَكْبُدِ
- وَوَثْبُهُمَا عِنْدَمَا أُطْلِقَابِعَزْمٍ إِلى ظَاهِرِ المِجْسَد
- كَوَثْبِ صِغَارِ المَهَا الظَّامِئَاتِ نَفَرْنَ خِفَافاً إِلى مَوْرِد
- وَأَرْخَتْ ضَفَائِرَهَا فَارْتَمَتْإِلى مَنْكِبَيْهَا مِنَ المَعْقدِ
- تُحِيطُ دُجَاهَا بِشَمْسٍ عَرَاهَا سَقَامٌ فَحَالَتْ إِلى فَرْقَدِ
- وَقَالَتْ أَمُهْجَةُ أُنْثَى تَفِيبِثَارَاتِ صَرْعَاكُمُ الهُمَّدِ
- تَفَانَوْا فَمَا خَاسَ فِي وَقْعَةٍفَتىً مِنْ مَسُودٍ وَلاَ سَيِّدِ
- يَرَى العِزَّ فِي نَصْرِ سُلْطَانِهِوَإِلاَّ فَفِي مَوْتِ مُسْتَشْهَدِ
- وَمِنْ خُلُقِ التُّرْكِ أَنْ يُوْرِدُواسُيُوفَهُمُ مُهَجَ الخُرَّدِ
- فَدُونَكُمُ قِتْلَةً حُلِّلَتْتَدِي مِنْ دِمَائِكُمُ مَا تَدِي
- فَأَصْغَى الأَمِيرُ إِلى قَوْلِهَاوَلَمْ يُسْتَفَزْ وَلَمْ يَحْقِدِ
- وَأَعْظَمَ نَفْسَ الفَتَاةِ وَبَأْساً بِهَا فِي الصَّنَادِيدِ لَمْ يَعْهَدِ
- وَحُسْناً بِمُشْرِكَةٍ دَاعِياًإِلى الشِّرْكِ مَنْ يَرَهُ يَعْبُدِ
- أَبَى عِزَّةً قَتْلَ أُنَثَى تَذُودُ ذِيَادَ المُدَافِعِ لاَ المُعْتَدِي
- فَقَالَ انْقُلُوهَا إِلى مَأْمَنٍوَأَوْصُوا بِهَا نُطُسَ العُوَّدِ
- لِتعْلَمَ أَنَّا بِأَخْلاَقِنَانُنَزَّهُ عَنْ تُهَمِ الحُسَّدِ
- فَإِذْ أُخْرِجَتْ قَالَ لِلْمَاكِثِينَ وَهُمْ فِي ذُهُولِهُمُ المُجْمَدِ
- لَهَا اللهُ فِي الغِيدِ مِنْ غَادَةٍوَفِي الصِّيدِ مِنْ بَطَلٍ أَصْيَدِ
- أَنُهْلِكُ شَعْباً غَزَتْ دَارَهُثِقَالُ الجُيُوشِ فَلَمْ يَخْلُدِ
- خَلِيقٌ بِنَا أَنْ نَرُدَّ الْقِلىَوِ اداً وَمَنْ يَصْطَنِعْ يَوْدَدِ
- فَمَا بَلَدٌ تَفْتَدِيهِ النِّساءُ كَهَذَا الْفِدَاءِ بِمُسْتَعْبَدِ