رزئت بمن لا أملك العين بعده
ابن أبي الخصالأندلسيالطويلرومانسيةالراء
حجم الخط
- رزئت بمن لا أملك العين بعدهُففي كلِّ ما حين لها عبرةٌ تترى
- وإنّي لأنساهُ ذُهولاً وحَيرَةًوما ذلك النّسيان إلا من الذكرى
- عدمت أبا مروانَ حين وجدتُهُولم تبقَ في يُسرى خلائقه عسرا
- وحين أقرَّ العينَ شرخُ شبابهوتمت به النُعمى وحفت به البشرى
- وكنتُ إذا أيقظته لملمةٍأخذتُ الكرى عن مقلةٍ منه لا تكرى
- وطارَت به الجُلَّى إلى كل هَيعَةٍواثباجُها تُطوى وأوداجها تُفرى
- ومن قبلُ ما خاضَ البحارَ مُصَمّماًإلى البيتِ حتى استلأَم الرّكنَ والحِجرا
- وقفى إلى قبر الرسُول بزورةٍفَقَضى ووفى الحقَّ والفَرض والنذرا
- وعفر في تلكَ المعالم وجهَهُسجوداً لمولىً يملك الخلق والأمرا
- وقد كنتُ في تلكَ السبيل احتسبتهوأضمرت يأساً عن لقائي له صبرا
- فرُدَّ على رغم الخُطوبِ مُسَلَّماًوقد حازَ من آثاره في التُّقى فَخرا
- وزشدت به وجداً كما ازدادَ غِبطةًوحُزتُ إلى عُمري بريعانهِ عُمرا
- وطوَّلتُ آمالي رجاءَ بقائِهِفأسفَر ذاك الطُّول عن مُدّةٍ قَصرا
- وأسلمني في كُربَة مُدلَهِمّةٍنزلتُ ولم أملك على حُكمها قسرا
- تقسّمني ما بين حَيٍّ وميّتٍفمن مَعشَرٍ قَتلى ومن مَعشَرٍ أسرى
- وكان ظهيراً لي عَليهم وفيهمُأشدُّ به أزراً وأحمي به ظهرا
- فهوَ عند فقده فقد من مضىوصارَت به الكُبرى التي كانت الصُّغرى
- وما ماتَ إلا بعدَما مات قِرنُهُولاقَاهُ من هَبَّاتِهِ الضَّيغمُ الأضرى
- فَراه بِيُمناهُ بصارمِ نفسهِوخلّى على كُرهٍ لصاحبهِ اليُسرى
- وما زالَ أقران الظهور مُقاتلاًوكيفَ تَوقّي المَوتِ من حيثُ لا يُدرى
- وما ساقَ ذلكَ الحَتفَ إلا شهادةٌتركتَ بِها في كُلِّ مَنزِلَةٍ نَشرا
- تَعوّضتَ من فانٍ بباقٍ مُخَلَّدٍوعَوّضتني منكَ التَّأسِّيَ والأَجرا
- فَمِن مَنزِل البَلوى إلى منزِل الرِّضىومِن عَرَض الدُّنيا إلى جَوهر الأُخرى
- سأصبر إلا عن سَوابقِ عَبرَةٍأَرى أبداً جَفني بتصريفها يُغرى
- وما عذَّبَ الرَّحمنُ بالدَّمع باكياًيُداري بدَمع العَينِ في قَلبِه جَمرا
- وما مَفزَعُ إلا إلى البُكاوكُل حزازاتِ القلوب به تُقرا
- وفي وجد يعقوبٍ بيوسفَ أُسوةفلا تَعذِلُوني اليَومَ في عَبرَةٍ تُذرى
- وكُلُّ فتىً قد كانَ للعينِ قُرّةًسَيَملَؤها حرّاً كما مُلئت قُرّا
- سَقَت جدثاً واراكَ كُلُّ غَمامةٍتُكشفُ عن أرضٍ حللت بها الضُّرا
- وحيّاك عني كلُّ رَوحٍ ورَحمَةٍوما شئت من نَورٍ ومن رَوضَة خَضرا
- ويا كبدي هلا تفطرتِ حَسرَةًويا أدمعي هلا جريتِ له حُمرا
- ويا فرطي إنّي ذخرتُك لي غنىًليومٍ يَعُودُ الأغنياءُ به فقرا
- ويا مُودعيهِ في الثرى هل علمتمُبأن لهُ في غير أرضِكُم قَبرا
- نعم كُلُّ قَبرٍ قبره فإذا بَداقرأتُ عليه من تَذكُّرِه سَطرا
- وإن لم أزُره في الحياةِ ورُبَّمافَموعِدُنا المَضرُوب نَجعَلُهُ الحَشرا
- وقال لي الإخوانُ هلا نقلتهُوما نقل من بَوَّأتُهُ القَلبَ والصَّدرا
- أأقربُ من فكري وذكري وخاطريفأمضي له ظهراً وأحدُو به سَفرا
- أعُقُّ بها أوصالهُ لو فعلتهُوأرهقُهُ في غيرِ محمَدةٍ عُسرا
- وأنصِبُ من رَدَّ الإلهُ حياتَهوأوسَعها لمّا طوى عُمرَهُ نَشرا
- ألا إنني استَودَعتُهُ وحدَهُوحَسبي بِنَصرِ اللَه في ظُلمَةٍ نَصرا