بعد الصباح الذي ودعتكم فيه
حجم الخط
- بعد الصّباحِ الّذي ودَّعتُكُم فيهِلم أَلْقَ للدَّهْرِ صُبْحاً في لَياليهِ
- قد كان أَوَّلَ صُبْحٍ بعْدَ عَهْدِكمُمضَى ولم تَكْتَحلْ عَيْني بثانيه
- فالدَّهرُ بعْدَكمُ لَيْلٌ أُلابِسُهوالعَيشُ دُونكمُ هَمٌّ أُقاسيه
- قد كِدْتُ أخْتِمُ طَرْفي وَحْشةً لكُمُعن كلِّ خَلْقٍ من الدُّنْيا أُلاقيه
- لكنّما يتَلقّاني خيالُكمُفي النّاسِ من كُلِّ مَنْ باللّحْظِ أَرميه
- قد صَوَّر الوهْمُ في عَيْني مِثالَكمُمن طُول ما أَنا بالذِّكْرَى أُراعيه
- فكُلُّ ناظرِ إنسانٍ أُقابلُهأَرَى خيالَكُمُ من ناظري فيه
- يَلومني في هوى الأحبابِ كُلُّ فتىًسَهْمُ الصّبابةِ يُصْميني ويُخْطيه
- يَعيبُني في الهوَى بَغْياً ويَعذُلنيوإنَّما يَبْتليني مَنْ يُعافيه
- تَكْليفُك الصّبَّ صَبْراً عن أَحِبّتهقولٌ يُعنّيهِ فيما ليس يَعْنيه
- أَقِلَّ من عذَلٍ تَلْقَى المشَوقَ بهِفقَلبُه بسهامِ اللّوْمِ تَرْميه
- والمرءُ مثْلُ نفوذِ السّهْمِ من يَدِهإلى القلوبِ نُفوذُ السّهْمِ مِن فِيه
- دَعْ عنك قلبي فإنَّ الحُبَّ آمِرُهأَضعافَ ما أَنت بالتّثْريبِ ناهيه
- إنّي لأشكرُ إلْفي في تَباعُدهِوطالما كنتُ أَشكو في تَدانيه
- إذا أَعَلَّنيَ الأشواقُ عَلّلَنيمنه خيالٌ يُسرّي الهَمَّ ساريه
- يُزهَى على البُعدِ طَرْفي حينَ يَطْرُقهمن عندِ أَحبابهِ طَيْفٌ يُوافيه
- كما زهَتْ أَصفهانٌ إذْ ألَمَّ بهامُؤيّدُ المُلْكِ فاهتزَّتْ من التيه
- كعارضِ يَسْبِقُ الإيماضَ وابلُهُإذا تَعرّضَ للمعروف راجيه
- ويَكْشِفُ الهَوْلَ في الهَيْجا إذا شَرَعتْيَمينُهُ ماضياً فيها يَمانيه
- ماضٍ على سَنَنِ التحقيقِ يَنْصُرُهفلا يُرَى عنده سُوقٌ لِتَمْويه
- في كَفِّه قَلمٌ تَلْقاهُ مُنْصَلتاًيَجْري القَضاءُ مُجدّاً في مَجاريه
- إذا انْثنَى ساجِداً نحْوَ الكتابِ لهيوماً فلا مَلِكٌ إلاّ ويَحكيه
- وإنْ بدا غائصاً في بَحْرِ أنْمُلهألْقَى إلى الطِّرْسِ من أسْنَى لآليه
- يا مَنْ تَوحَّدَ في الدُّنْيا برُتْبتِهمنَ الجَلالِ فلا خُلْقٌ مُدانيه
- سِواكَ مَنْ باتَ حَرْبُ الدَّهرِ تُقْلقُهإذا دهَتْه وسِلْمُ الدّهرِ يُطْغيه
- أنت الّذي لم يَنَلْ نَقْصاً بعُطْلَتِهمن حيثُ ما زادَهُ فَخْراً تَحلِّيه
- فمَنْ يُبلِّغُها السُّلطانَ مَاْلُكَةًيَسْعى بها مِن مَواليه مُواليه
- بحيثُ يَعْقِدُ منه تاجَهُ قَسَماًيَظلُّ في الصِّدقِ خافيهِ كباديه
- لأنتَ حقّقْتَ من تَثْبيتِ دَوْلتِهما لم تكُنْ تَقْدِرُ الأحلامُ تَحْكيه
- ما المُلْكُ يَومئذٍ لولا مؤيدهُإلاّ بعُرْضةِ مَن قد جاء يَبْغيه
- غابٌ أُصيبَ أبو شِبلَيْهِ فاخْتلَفافاستأْسدَ الذّئبُ حتّى كادَ يأْويه
- فلو تأخَّر عن تأييدهِ نَفَساًلكان مِن ذاك ما أعْيا تَلافيه
- برأيهِ قام يَحْميهِ ورايتهوكان عاليه أمضَى مِنْ عَواليه
- حتّى إذا تَمَّ الفَتْحُ من يَدِهللمُلْكِ أصْغَى إلى ما قالَ واشيه
- وكان كالمُنتضي للحَرْبِ صارِمَهفإذْ تقَضَّتْ رأى إغْمادَ ماضيه
- إنْ نَفَّذوا دونَه أَمراً فلا عَجَبٌمَنْ يُعْملُ السّيفَ حيثُ السَّوطُ يَكْفيه
- هذا زَمانٌ على ما فيه مِن كَدَرٍيَحكي انْقِلابُ لَياليه بأهْليه
- غديرَ ماءٍ تَراءى في أسافِلِهخَيالُ قَومٍ قيام في أعاليه
- فالرِّجْلُ تُبصَرُ مَرْفوعاً أَخامِصُهاوالرّأسُ يُوجَدُ مَنْكوساً نَواصيه
- هذا على أنّ أَمراً غيْرَ مُحتَسَبٍكأنّنا بكَ في ذا الدَّهْرِ تُبديه
- صابِرْ زمانَكَ تَعْبُرْ عنكَ شِدَّتُهوأَمهلِ الرَّنْقَ يَخْلُصْ منه صافيه
- فاللّيلُ إنْ أَنت لم تَعجَلْ وإنْ مطَلَتْظَلْماؤه فلَهُ صُبْحٌ يُجلِّيه
- لو أَمكنَ الدّهرَ أَن يَبقَى على نَسَقٍما زال باديه حتّى جاءَ تاليه
- فانْهَضْ إلى الأملِ المطلوبِ مُعْتزماًنُهوضُ مثْلك يَقْرُبْ منكَ قاصيه
- ولا تَقولَنَّ إنَّ الدَّهرَ مُضْطَرِبٌفكيف فيه بمَقْصودٍ يُسَوّيه
- فالقوسُ مُذْ لم تزَلْ في خَلْقِها عِوَجٌوالسَّهْمُ يَمضي سديداً في مَراميه
- يأبَى ضِياءُ شهابِ الدّينِ حينَ بداألا يُضيءَ سَبيلَ الرُّشْدِ هَاديه
- وإنّما هو نُورُ اللهِ يُشْعِلُهأنَّى بأفواهها الحُسّادُ تُطْفِيه
- فِدىً عِداهُ لعَلْياهُ وقَلَّ لهكلُّ البَرِيَّةِ طُرّاً لو تُفَدِّيه
- سَعْوا على مَجْدِه من كُلِّ ذي حَسَدٍيَظلُّ يَنْشُرهُ بَغْياً ويَطْويه
- ما كان يَخفَى عليه اليومَ مَوْضِعُهلو كان بالأمسِ أمضَى العزْمَ مُمْضيه
- إنْ كان في الدَّهْرِ خَوْفٌ من تَقلُّبِهفما لذي الحَزْمِ يُغْضي عَن أعاديه
- وإنّما مَثَلُ الباغي وصاحبِهكالنّارِ والشّمْعِ يُبْقيها لِتُفْنيه
- بَقِيتَ يا ابْنَ نظامِ المُلْكِ تَخْلُفُهفي مَجْدِه ومَعاليه فتُحيِيه
- ودُمْتَ والإخوةُ الزُّهْرُ الكرامُ معاًكالبَدْرِ والشُّهْبِ يَعْنيها وتَعْنيه
- في طُولِ عُمْرٍ لكمْ مُدَّتْ أواخِرُهوظلِّ مُلْكٍ بكمْ شُدَّتْ أواخيه
- ولا عدا المَرقَد المَسْعود سَاكِنُهوَفْدٌ من المَلأ الأعلَى يُحَييه
- يَأْتيهِ من صلَواتِ اللهِ في مَدَدٍتَتْلو رَوائحَهُ منها غَواديه
- أصبحتُمُ دَوحة المجدِ الّتي شَرُفَتْحقيقةً لا بتَمْثيلٍ وتَشْبيه
- أنتمْ فُروعٌ سَما في الأُفْقِ ناضرهاوذاكَ أصْلٌ رَسا في التُّرْبِ زاكيه
- فَدُمْتُمُ بَعْدَهُ تُوجَدْ مَكارِمُهمَدى الزّمانِ ولا تُفْقَدْ مَعاليه
- حتّى يكونَ أبوكمْ آيةً نُسِخَتْلَفْظاً وما نُسِجَتْ منه معانيه