بغداد فاهبط أيها النسر
جبران خليل جبرانمتأخرالسريعالراء
حجم الخط
- بَغْدَادُ فَاهْبِطْ أَيُّها النَّسرُلاَ زِينةَ اليَوْمَ وَلاَ بِشْرُ
- عُدْتَ بِمَن ضَاقَ رَحِيبُ المَدَىبِه لِيَسْتَوِدعَهُ قَبْرُ
- فَلْتَسْتَرِحْ مِنْ فَرْطِ مَا جُشِّمَتْمِنْ عَزْمه الأَجْنِحَةُ الغُبْرُ
- مَا زَالَ جَوَّابَ سَمَاءٍ بِهَايَخُطُّ سَطْراً تِلوَهُ سَطْرُ
- مُخَلِّداً مَا شاءَ تخْلِيدَهُفي المَجْدِ حَتَّى خُتِمَ السِّفرُ
- آبَ إِيَاباً لَمْ يُتَحْ لامْرِئٍأُعْظِمَ فِي الدُّنْيَا لَهُ قدْرُ
- فِي الغَرْبِ وَالشَّرْقِ لَهُ مَشْهَدٌوَمَرْكَبَاهُ البَحْرُ وَالبَرُّ
- وَتَارَةً يَحْمِلُهُ طَائِرٌبِه ضِرَامٌ وَلَهُ زَفْرُ
- وَالحَشْدُ لِلتَّشيِيعِ فِي مَوْقِفٍضَنْكٍ كأَنَّ المَوْقِفَ الحَشر
- تَكْرِمَةٌ مَا نَالهَا غيْرُهُفِي مَا إِلَيْه يَنْتَهِي الذِّكرُ
- وَاحَرَبَا إِنَّ الهُمَامَ الَّذيأَبْقَى عَليْهِ اللُّجُّ وَالقفْرُ
- وَخاضَ هَوْلَ الحَرْبِ ثمَّ انْثنىمُضاحِكاً أَعلاَمَهُ النَّصرُ
- وَأَنِسَ الطَّيرُ إِلَى قُرْبِهِوَأَلِفَتْ كَرَّاتهِ الزُّهْرُ
- أَوَى إِلى وَكْرٍ عَلَى شاِمخٍفَخانَهُ فِي المَأْمَنِ الوَكْرُ
- فجِيعَةٌ فِي نَوْعِهَا فذَّةٌكأَنّهَا مِنْ بِدْعِهَا بِكْرُ
- تَصَوَّرَ المَوتُ بِهَا صُورَةًأَفْحَشَ فِي تَنْكِيرِهَا النُّكرُ
- فَمَا تَرَى مِنْ هَوْلِهَا صَاحِياًإِلاَّ كَمَنْ ضَعْضَعَهُ السُّكرُ
- نَاهِيكَ بِالحُزْنِ وَتَبْرِيحِهِبِالنَّفسِ إِن خَالَطَهُ الذُّعْرُ
- ثَوَى المَلِيكُ القُطْبُ فِي حِينِ لاَرَبْعٌ خَلاَ مِنْهُ وَلاَ قُطْرُ
- إِنْ تبْكِ عَدْنانُ فَأَخْلِقْ بِهَاهَلْ بَعْدَ مَا حَلَّ بِهَا خُسْرُ
- ذَرْهَا تُقِمْ مَأْتَمَهَا شامِلاًكُلَّ بَنِيهَا فَلهَا عُذْرُ
- فَارَقَهَا مَنْ يَدُهُ عِنْدَهَايَعْجِزُ عَنْ إِيفَائِهَا الشُّكرُ
- بِنُوِرهِ شُقَّت دَيَاجِيرُهَاوَرُدَّ مِنْ ضِلَّتِه الفَجْرُ
- وَجُدِّدَتْ دَوْلَتُهَا بَعْدَ أَنْأَنْكَرَ فِيهَا عَيْنَهُ الإِثْرٌ
- يَا ابْنَ حُسَيْنٍ وَحُسَيْنٌ لَهُفِي عِزِّهَا المُؤْتَنَفِ الفَخْرُ
- وَيَا أَخا الصِّنوَيْنِ مِنْ دَوْحَةٍزَكَّى جَنَاهَا العَصْرُ فَالعَصْرُ
- سُلاَلَةٌ مِنْ هَاشِمِ نَجْرُهَالِسَادَةِ الشَّرْقِ هُوَ النَّجرُ
- كُنْتَ عَنِ المُنْجِبِ تَأْسَاءَهَاوَالإِخْوَةُ الصُّيابَة الغُرُّ
- فَاليَوْمَ ثَنَّى بِكَ عَادِي الرَّدَىكَأَنَّه يَحْفِزُهُ وِتْرُ
- فِيمَ تَجَنِّيهِ وَمَا وِزْرُكُمْأَنَهْضَةُ العُرْبِ هِيَ الوِزْرُ
- أَيَوْمَ بَلَّغْتَ العِرَاقَ المُنَىفَالحُكْمُ شورَى وَالحِمَى حُرُّ
- وَيَوْمَ لَمْ يَبْقَ لِمُسْتَعْمِرٍفِي أَهْلِهَا نَهْيٌ وَلاَ أَمْرُ
- وَيَوْمَ تَرْجُو أُمَمُ الضَّادِ أَنْيَضُمُّها المِيثَاقُ وَالأَصْرُ
- يَغُولُكَ البَيْنُ وَلَمْ تَكْتَهِلْوَلَمْ يُصَوَّحْ عُودُكَ النَضْرُ
- مَنْ يَبْغِ فِي الدُّنْيَا مِثَالاً لِمَايَبْلغ مِنْهَا الفَطِنُ الجَسْرُ
- وَمَا بِهِ يَغْصِبُ مِنْ دَهْرِهِمَضَنَّة يَمْنَعُهَا الدَّهْرُ
- فَدُونَهُ سِيرَةُ قَيْلٍ رَمَىمَرْمىً وَفِي مَيْسُوِرِه عُسْرُ
- مَنَالُهُ صَعْبٌ وَأَنْصارُهُجِدُّ قَلِيلٍ وَالعِدَى كُثْرُ
- سَمَا إِلى عْرشٍ فَلَما كَبَابِه وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ ظَهْرُ
- سَمَا إِلى آخَرَ لاَ رُسْغُهُوَاهٍ وَلاَ يُرْزِحُهُ الوِقْرُ
- وَأَيُّ مَطْلُوبٍ عَزِيزٍ نَأَىلَمْ يُدْنِهِ الإِيمَانُ وَالصَّبرُ
- بَغْدَادُ عَادَ العِزُّ فِيهَا عَلَىبدْءٍ وَلأْياً قُضِيَ الثَّأرُ
- بُلِّغَ فِيهَا فَيصلٌ سُؤلَهُواعْتَذَرَتْ أَيَّامُهُ الكُدْرُ
- بَايَعَهُ القَوْمُ وَمَا أَخْطَأُوافِي شَأْنِهِ الحَزْمَ وَمَا اغْتَرُّوا
- وَأَكَّدَ البَيْعَةَ إِيمَانُهُمْبِأَنَّه العُدَّةُ وَالذُّخْرُ
- مُعْجِزَةٌ جَاءَ بِهَا مُقْدِمٌلاَ فَائِلُ الرَّأْيِ وَلاَ غِمْرُ
- يَخَالُ مَنْ يَقْرَأُ أَنْبَاءَهَاأَنَّ الَّذِي يَقْرُؤُهُ شعْرُ
- أَجَلْ هُوَ الشِّعرُ وَلَكِنَّهُحَقِيقَةٌ تُلمَسُ لاَ سِحْرُ
- مَا جَهِلَتْ خَيْلُ العِدَى فيْصَلاًوَالطَّعنُ فِي لَبَّاتِهَا هَبْرُ
- وَمَا بَدَتْ فِي النَّقعِ أَسْيَافُهُإِلاَّ وَقدْ بَشَّ بِهَا ثَغرُ
- مَوَاقِفٌ نالَ بِهَا وَحْدَهُمَا لاَ يُنِيلُ العسْكرُ المَجْرُ
- أَسْعَدَهُ الرَّأْيُ بِهَا حَيْثُ لاَتُسْعِدُهُ بِيضٌ وَلاَ سُمْرُ
- أَغْلَى كُنُوزِ الشَّرْقِ فِي نَفْسِهِوَكَفُّه مِنْ دِرْهَمٍ صِفْرُ
- لَكِنَّ أَسْمَى فتْحِهِ لمْ يَكنْمَا غَصَبَ الكَرُّ أَوِ الفَرُّ
- بَلْ هُوَ مَا هَيَّأهُ حَزْمُهُوَجَأْشُهُ الرَّابِطُ وَالفِكْرُ
- مَا شِئْتَ قُلْ فِي فَيْصَلٍ إِنَّهُبَحْرٌ وَمِنْهُ يُؤْخَذُ الدُّرُّ
- سَلْ عَارِفِيهِ تَدْرِ مَا شَأْنُهإِنْ يُرْجَ فَضْلٌ أَوْ يُخَفْ ضُرُّ
- رُجُولَةٌ تَمَّت فَلاَ بِدْعَ أَنْيُورَدَ مِنْهَا الحُلوُ وَالمُرُّ
- أَلخُلُقُ اللَّيِّن يُلْفَى بِهِفِي حِينِهِ وَالخُلُقُ الوَعْرُ
- يَكْلَفُ بِالخَيْرِ وَفِي طَبْعِهِتَكَلُّفٌ إِنْ يُحْتَمِ الشَّرُّ
- وَلِلعُداةِ الغَمْرُ مِنْ بَأْسِهِوَلِلوُلاَةِ النَّائِلُ الغمْرُ
- هَذَا إِلى عَقْلٍ رَفِيعٍ إِلىقَلْبٍ كَبِيرٍ مَا بِهِ كِبْرُ
- إِلى سَجَايَا لَمْ يَشُبْ صَفْوَهَافِي حادِثٍ خَبٌّ وَلاَ غَدْرُ
- إِلى وَفَاءٍ نَادِرٍ قَلَّمَاحَقَّقهُ فِي عَاهِلٍ خُبْرُ
- إِلى سَخَاءٍ لَمْ يَضِرْ ظَرْفَهُأَوْ لُطْفَهُ مَنٌّ وَلاَ جَهْرُ
- إِلى خُلُوصٍ فِي الطَّوَايَا بِهِمِمَّا بِأَزْهَارِ الرُّبَى سِرُّ
- تَنْشَقُهُ النَّفسُ ذكِياً وَمَايَفْنى إِذَا مَا فَنِيَ العِطْرُ
- فِي رَحْمَةِ اللّهِ المَلِيكُ الَّذِيولَّى وَلَمْ يَكْتَمِلِ العُمْرُ
- ذِكْرَاهُ تَبْقَى وَهْيَ سَلَوَى لِمَنْفَارَقَهُمْ مَا طَلَعَ البَدْرُ