رمت بخيوط النور كهربة الفجر
محمود سامي الباروديمتأخرالطويلرومانسيةالراء
حجم الخط
- رَمَتْ بِخُيُوطِ النُّورِ كَهْرَبَةُ الْفَجْرِونَمَّتْ بِأَسْرَارِ النَّدَى شَفَةُ الزَّهْرِ
- وَسَارَتْ بِأَنْفَاسِ الخَمَائِلِ نَسْمَةٌبَلِيْلَةُ مَهْوَى الذَّيْلِ عَاطِرَةُ النَّشْرِ
- فَقُمْ نَغْتَنِمْ صَفْوَ الْبُكُورِ فَإِنَّهَاغَدَاةُ رَبِيعٍ زَهْرُهَا بَاسِمُ الثَّغْرِ
- تَرَى بَيْنَ سَطْحِ الأَرْضِ وَالْجَوِّ نِسْبَةًتُشَاكِلُ مَا بَيْنَ السَّحَائِبِ وَالْغُدْرِ
- فَفِي الْجَوِّ هَتَّانٌ يَسِيلُ وَفِي الثَّرَىسُيُولٌ تَرَامَى بَيْنَ أَوْدِيَةٍ غُزْرِ
- غَمَامَانِ فَيَّاضَانِ هَذَا بِأُفْقِهِيَسيرُ وَهَذا فِي طِبَاقِ الثَّرَى يَسْري
- وَقَدْ مَاجَتِ الأَغْصَانُ بَيْنَ يَدِ الصَّباكَمَا رَفْرَفَتْ طَيْرٌ بِأَجْنِحَةٍ خُضْرِ
- كَأَنَّ النَّدَى فَوْقَ الشَّقيقِ مَدَامِعٌتَجُولُ بِخَدٍّ أَوْ جُمَانٌ عَلَى تِبْرِ
- إِذَا غَازَلَتْهَا لَمْعَةٌ ذَهَبِيَّةٌمِنَ الشَّمْسِ رَفَّتْ كالشَّرَارِ عَلَى الْجَمْرِ
- فَفِي كُلِّ مَرْعَى لَحْظَةٍ وَشْيُ دِيمَةٍوَفِي كُلِّ مَرْمَى خَطْوَةٍ أَجْرَعٌ مُثْرِي
- مُرُوجٌ جَلاهَا الزَّهْرُ حَتَّى كَأَنَّهاسَمَاءٌ تَرُوقُ الْعَيْنَ بِالأَنْجُمِ الزُّهْرِ
- كَأَنَّ صِحَافَ النُّورِ والطَّلُّ جَامِدٌمَبَاسِمُ أَصْدَافٍ تَبَسَّمْنَ عَنْ دُرِّ
- وَقَدْ شَاقَنِي وَالصُّبْحُ فِي خِدْرِ أُمِّهِحَنِينُ حَمَامَاتٍ تَجَاوَبْنَ فِي وَكْرِ
- هَتَفْنَ فَأَطْرَبْنَ القُلُوبَ كَأَنَّمَاتَعَلَّمْنَ أَلْحَانَ الصَّبَابَةِ مِنْ شِعْرِي
- وَقَامَ عَلَى الْجُدْرَانِ أَعْرَفُ لَمْ يَزَلْيُبَدِّدُ أَحْلامَ النِّيَامِ وَلا يَدْرِي
- تَخَايَلَ فِي مَوْشِيَّةٍ عَبْقَرِيَّةٍمُهَدَّلَةِ الأَرْدَانِ سَابِغَةِ الأَزْرِ
- لَهُ كِبْرَةٌ تَبْدُو عَلَيْهِ كَأَنَّهُمَلِيكٌ عَلَيْهِ التَّاجُ يَنْظُرُ عَنْ شَزْرِ
- فَسَارِعْ إِلى دَاعِي الصَّبُوحِ مَعَ النَّدَىلِتَجْنِي بِأَيْدِي اللَّهْوِ بَاكُورَةَ الْعُمْرِ
- فَقَدْ نَسَمَتْ رِيحُ الشَّمالِ فَنَبَّهَتْعُيُونَ الْقَمَارِي وَهْيَ فِي سِنَةِ الْفَجْرِ
- وَنَادَى الْمُنَادِي لِلصَّلاةِ بِسُحْرَةٍفَأحْيَا الْوَرَى مِنْ بَعْدِ طَيٍّ إِلَى نَشْرِ
- فَبَادِرْ لِمِيقَاتِ الصَّلاةِ وَمِلْ بِنَاإِلى الْقَصْفِ مَا بَيْنَ الْجَزِيرَةِ والنَّهْرِ
- إِذَا مَا قَضَيْنَا وَاجِبَ الدِّينِ حَقَّهُفَلَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْخَلاعَةِ مِنْ وِزْرِ
- أَلا رُبَّ يَوْمٍ كَانَ تَارِيخَ صَبْوَةٍمَضَى غَيْرَ إِثْرٍ فِي الْمَخِيلَةِ أَوْ ذِكْرِ
- عَصَيْتُ بِهِ سُلْطَانَ حِلْمِي وَقَادَنيإِلى اللَّهْوِ شَيْطَانُ الْخَلاعَةِ وَالسُّكْرِ
- لَدَى رَوْضَةٍ رَيَّا الْغُصُونِ تَرَنَّحَتْمَعَاطِفُهَا رَقْصاً عَلَى نَغْمَةِ الْقُمْرِي
- تَدُورُ عَلَيْنَا بِالْمُدَامَةِ بَيْنَهاتَمَاثِيلُ إِلَّا أَنَّها بَيْنَنَا تَجْرِي
- تَرَى كُلَّ مَيْلاءِ الْخِمَارِ مِنَ الصِّبَاهَضِيمَةِ مَجْرَى الْبَنْدِ نَاهِدَةِ الصَّدْرِ
- إِذَا انْفَتَلَتْ فِي حَاجَةٍ خِلْتَ جُؤْذُرَاًأَحَسَّ بِصَيَّادٍ فَأَتْلَعَ مِنْ ذُعْرِ
- لَوَى قَدَّهَا سُكْرُ الْخَلاعَةِ وَالصِّبَافَمَالَتْ بِشَطْرٍ واسْتَقَامَتْ عَلَى شَطْرِ
- وَعَلَّمَهَا وَحْيُ الدَّلالِ كَهَانَةًفَإِنْ نَطَقَتْ جَاءَتْ بِشَيءٍ مِنَ السِّحْرِ
- أَحَسَّتْ بِمَا فِي نَفْسِهَا مِنْ مَلاحَةٍفَتَاهَتْ عَلَيْنَا وَالْمَلاحَةُ قَدْ تُغْرِي
- وَأَعْجَبَهَا وَجْدِي بِهَا فَتَكَبَّرَتْعَلَيَّ دَلالاً وَهْيَ تَصْدُرُ عَنْ أَمْرِي
- فَتَاةٌ يَجُولُ السِّحْرُ فِي لَحَظَاتِهَامَجَالَ الْمَنَايَا فِي الْمُهَنَّدَةِ الْبُتْرِ
- إِذَا نَظَرَتْ أَوْ أَقْبَلَتْ أَوْ تَهَلَّلَتْفَوَيْلُ مَهَاةِ الرَّمْلِ والْغُصْنِ وَالْبَدْرِ
- فَمَا زِلْنَ يُغْرِينَ الطلا بِعُقُولِنَاإِلَى أَنْ سَقَطْنَا لِلْيَدَيْنِ ولِلنَّحْرِ
- فَمِنْ وَاقِعٍ يَهْذِي وَآخَرَ ذاهِلٍلَهُ جَسَدٌ مَا فِيهِ رُوحٌ سِوَى الْخَمْرِ
- صَرِيعٌ يَظُنُّ الشُّهْبَ مِنْهُ قَرِيبَةًفَيَسْدُو بِكَفَّيهِ إِلَى مَطْلَعِ النَّسْرِ
- إِذَا مَا دَعَوْتَ الْمَرءَ دَارَ بِلَحْظِهِإِلَيْكَ وَغَشَّاهُ الذُّهُولُ عَنِ الْجَهْرِ
- بَعِيدٌ عَنِ الدَّاعِي وَإِنْ كَانَ حَاضِرَاًكَأَنَّ بِهِ بَعْضَ الْهَنَاتِ مِنَ الْوَقْرِ
- تَحَكَّمَتِ الصَّهْبَاءُ فيهِمْ فَغَيَّرَتْشَمَائِلَ مَا يَأْتِي بِهِ الْجِدُّ بِالْهَذْرِ
- فَيَا سَامَحَ اللهُ الشَّبَابَ وَإِنْ جَنَىعَلَيَّ وَحَيَّا عَهْدَهُ سَبَلُ الْقَطْرِ
- مَلَكْتُ بِهِ أَمْرِي وَجَارَيْتُ صَبْوَتِيوَأَصْبَحْتُ مَرْهُوبَ الْحَمِيَّةِ وَالْكِبْرِ
- إِذَا أَبْصَرُونِي فِي النَّدِيِّ تَحَاجَزُواعَنِ الْقَوْلِ وَاسْتَغْنَوا عَنِ الْعُرْفِ بِالنُّكْرِ
- وَقَالُوا فَتَىً مَالَتْ بِهِ نَشْوَةُ الصِّبَاوَلَيْسَ عَلَى الْفِتْيَانِ في اللَّهْوِ مِنْ حَجْرِ
- يَخَافُونَ مِنِّي أَنْ تَثُورَ حَمِيَّتِيفَيَبْغُونَ عَطْفِي بِالْخَدِيعَةِ والْمَكْرِ
- أَلا لَيْتَ هَاتِيكَ اللَّيَالِي وَقَدْ مَضَتْتَعُودُ وَذَاكَ الْعَيْشُ يَأْتِي عَلَى قَدْرِ
- مَواسِمُ لَذَّاتٍ تَقَضَّتْ وَلَمْ يَزَلْلَهَا أَثَرٌ يَطْوي الْفُؤَادَ عَلَى أُثْرِ
- إِذَا اعْتَوَرَتْهَا ذُكْرَةُ النَّفْسِ أَبْصَرَتْلَهَا صُورَةٌ تَخْتَالُ فِي صَفْحَةِ الْفِكْرِ
- فَذَلِكَ عَصْرٌ قَدْ مَضَى لِسَبِيلِهِوَخَلَّفَني أَرْعَى الْكَواكِبَ في عَصْرِ
- لَعَمْرُكَ مَا في الدَّهْرِ أَطْيَبُ لَذَّةًمِنَ اللَّهْوِ فِي ظِلِّ الشِّبِيبَةِ والْيُسْرِ