حدثني شيخ من الأعراب

ابن الهباريةعباسيالرجزالباء

حجم الخط
  1. حَدثني شَيخ مِن الأَعرابأعرفه بِالصدق في الخِطاب
  2. قالَ خَرَجت رائِداً لأَهليوَكانَ ذاكَ العام عام محل
  3. فسرت مِن يبرين نصف ميلثَم ضَللت لَقَم السَّبيل
  4. وَكُنت إِذ ذاكَ غُلاماً يفعهلَكن قواي كُلها مُجتَمعه
  5. قَلبي جَميع وَجِناني حاضرماض عَلى الهَول جَسور شاطر
  6. فَعِندَما أَيقنت إِني جائرعَن مَقصد قُمت كأنِّي حائِر
  7. استرشد الرِّياح وَالنُّجومقَد سترتها دوني الغُيوم
  8. فَلاحَ لي شَخص قَريب مِنيفارتَعت مِن ذاكَ وَساءَ ظَني
  9. وَخلته الغول فَجاشَت نَفسيلأنَّها لَم تَكُ أَرض إِنس
  10. حَتَّى إِذا ما اشتد مِنهُ خَوفيعَلقت نَضوى وَجذبت سَيفي
  11. فَبانَ لي إِذ لمع الحُساموَاِنجاب مِن لألائه الظَّلام
  12. تَخل واثل فَقَصَدت قَصدَهوَقُلت أمسي وَأَبيت عِندَه
  13. حَتَّى إِذا ما جِئته وَجَدتهيَهفو عَلى رَوض كَما أردته
  14. عُيون ماء وَرِياض أشبةتَسمَع لِلطيور فيها جلبة
  15. فَقُلت هَذا مَنزل أنيقوَإِنَّهُ بِنجعتي خَليق
  16. ثُم عَلقت ناقَتي في شَجرةوَنلت مِن بَعض النخيل ثَمَرة
  17. ثُم صَعدت نَخلة لاهجعافي رَأسِها مِن الأَذى مُمتنِعا
  18. وَاِنقَشَع السحاب عَن وَجه القَمَروَبانَ لي ما كانَ يخفى وَظَهر
  19. فَجاءَ ببر وَهزبرُ وَنمروَالوَحش وَالطَّير جَميعاً تبتدر
  20. وَجاءَت الأَنعام وَالبَهائموَالهام وَالطُّيور وِالأَراقم
  21. وَالحَشَرات جلها وَدَقهامفتنة في خُلقِها وَخَلقِها
  22. وَارتفع العَنقاء فَوقَ دلبةوَهوَ أَمير الطَّير يَبغي الخطبة
  23. فَقالَ حَمد اللَّه خَير نَطقوَشكره فَرض مُبين الحَق
  24. الحَمد لِلَّه عَلى ما خَصَّنيبِه مِن الخلق البَديع الحَسَن
  25. أَفرَدني مِن لُطفِه وَحكمتهبِصورة شاهِدة بِقدرته
  26. حَتَّى لَقَد كَذَب بي الطَّغاموَشك في وجودي الأَنام
  27. لأَنَّهُم خَصوا بِضَعف وَصغرفَحَسِبوا مِثلهم كُل الصُّور
  28. وَأَنكَروا ما خَرَق العاداتفَكَذَبوا رواية الرواة
  29. فَإِن يَكُن دينهُم التَّكذيب بيفَلَيسَ هَذا مِنهُم بِالعَجَب
  30. فَإِنَّهُم قَد كَذبوا بِالصانعوَأَنكروا البَعث لِيَوم جامع
  31. لجهلهم وَالجَهل شرشيمةجاءَت مَع الناس مِن المَشيمة
  32. كَذاكَ تَكذيبهُم لجهلِهموَخُبثِهم وَنقصِهم وَبُخلِهم
  33. بِما يَرى مِن جود كَفي صدقهوَنَفسه الفاضلة الموفقه
  34. إِذ لَم يَكونوا شاهدوا مِن البَشربَعض الَّذي بِه لَقَد شاعَ الخَبَر
  35. وَهُم عَبيد الحس وَالعَيانوَخصماء العَقل وَالبرهان
  36. لا يَقبَلون شاهِداً غَير النَّظَروَلا يطيعون العُقول وَالفكر
  37. وَمِنهُم مَن يَجحَد المَلائِكةوَالجن أَيضاً وَالأُمور الشابِكة
  38. كَذاكَ لَو لَم يَنظُروا السَّماءلأَنكَروا النُّجوم وَالأَنواء
  39. سَقف رَفيع فَوقَهُم بِلا عَمَدما فيهِ أَمت شائن وَلا أَود
  40. وَخَيمة لَيسَ لَها أَطنابيَعجَز عَن أَوصافِها الإطناب
  41. وَكَوكَب يَنظُر في كُلِّ بَلَدكَأَنَّه مَسامت كُل أَحَد
  42. لَو فَكروا في جرم ذاكَ الكَوكَبحَتّى يَرى بِمشرق وَمَغرب
  43. في حالة وَاحدة كَأَنَّهُفَوقَك أَو عَلَيك مِنهُ جنه
  44. وَالأَرض فيها عبرة للمعتبرتخبر عَن صُنع مَليك مُقتدر
  45. تُسقى بِماء واحد أَشجارهاوَنبعة واحِدَة قرارها
  46. وَالشَّمس وَالهَواء لَيسَ تَختَلفوَأُكلُها مُختلِفٌ لا يَأتَلِف
  47. لَو أَن ذا مِن عَمل الطَّبائعأَو أَنَّهُ صَنعة غَير صانع
  48. لَم يَختَلف وَكانَ شَيئاً وَاحِداًهَل يُشبِه الأَولاد إِلا الوالد
  49. لَو طبخ الطَّباخ أَلف قدربِالماء وَاللَّحمِ وَحُب البر
  50. ما جاءهُ مِن بَعضِها سِكباجوَلا قَلِياتٌ وَشورباج
  51. بَل كُلها هَريسة إِذ أَصلهامُتفق لَم يَتَفاوَت أَكلها
  52. الشمس وَالهَواء يا مُعاندوَالماء وَالتُراب شَيء واحد
  53. فَما الَّذي أَوجَب ذا التفاضلاإِلا حَكيم لَم يَرده باطِلا
  54. وَزَعَموا أن النُّجوم صانِعهوَأنَّها ضائِرة وَنافِعه
  55. في ساعَة يولَد ألف ألفِوَحالهم نِهاية في الخلف
  56. فَواحِد يَموت في مَكانهوَواحِد يَعيش في أَقرانه
  57. وَواحِد ذو ثَروة تَطغيهوَواحد شبعته تَكفيه
  58. وَواحِد برّ عَليم ناسكوَواحِد غُرّ جَهول فاتِك
  59. وَواحِد عَبد ذَليل مُضطَهدوَواحد ملك عَظيم معتمد
  60. تخالف لَيسَ لَهُ نِهايهفي بَعضِهِ مِن كُلهِ كِفايَه
  61. لَو كانَ هَذا صَنعة الطَّبائعلاتفقوا في الحال وَالصَّنائع
  62. بَل هوَ مِن فعل حَكيم قادروَخالِق للعالمين فاطِر
  63. وَبَعضهم يَقتل بَعضاً ظُلماوَلا يَخاف حَرجاً أَو إِثما
  64. تَراهُم تَحتَ البُرود الضافيةكَأَنَّهُم طلس الذِّئاب الضارِية
  65. يَسعون بِالغيبة وَالنَّميمةوَيخلقون الفِتَن العَظيمة
  66. حِرصاً عَلى الدُنيا الَّتي لا تَبقىوَاللَّهُ ما في الخَلق مِنهُم أَشقى
  67. وَيَدعونَ أنَّهُم خَير الأُمموَأَنَّهُم ذوو عقول وَحِكَم
  68. وَأنَّهُم أَخَص بِاللَّه مَعاًمِن غَيرِهم فَظالم مَن ادعا
  69. هَيهات ما أَجدرَهم مِن رَبِهمبِصَرفهم عَن بابِهِ وَحجبهم
  70. لأَنَّهُم ما يَفعَلونَ ما حتموَلَيسَ يَرضون بِكُل ما حكم
  71. يُخالِفونَ حُكمه وَأَمرهوَيأمَنونَ بَطشه وَمكره
  72. قَد ضمن الرزق لَهُم وَقالاكَفَيتُم فَأحسنوا الأَعمالا
  73. فَسَألوا مِن غَيرهِ ما ضمنهوَضيعوا وَما أَتوا بِحسنه
  74. إِن رُزِقوا مالا كَثيراً بَطرواأَو حرموه سَخطوا وَفجروا
  75. يَدَّخِرون وَالشقي المُدخرما فيهُم ذو فطنة فَيعتَبر
  76. بِمَن مَضى مِن قَبلهم مِن الأُممكَيفَ مَضوا وَخَلفوا هَذي النِّعَم
  77. فَلَيتَني أَبصَرت فيهِم رجلاحبراً ألد في الخِصام جَدَلا
  78. يَعتمد الإنصاف في المُجادلةلا يَقصد اللجاج وَالمماحلة
  79. فَإِن من مَقصودِه العِنادكَالجمل المصعب لا يَنقاد
  80. وَلَو رَأى لِلخَصم كُل آيهما زادَهُ ذاكَ سِوى غوايه
  81. فَإِنَّهُم قَد شاهَدوا آياتلرسل الرَّحمن مُعجِزات
  82. فَلم يزدهم ذاكَ غَير كُفروَعَمه عَن الهُدى وَخسر
  83. إِذ لَم يَكُن في عَزمِهِم أَن يُؤمِنواقَد عَلِموا بِكُفرِهم وَأَيقَنوا
  84. أَسأَلهم وَلا يَقولوا مينابِأَي شَيء فضلوا عَلَينا
  85. وَنَحنُ لا نُشرك بِاللَّه وَلانَقنَط مِن رَحمَتِهِ إِذ نَبتَلي
  86. أذكر مِن عُيوبهم ما أذكروَإِنَّني مِن ذِكرهم استغفر
  87. فَقالَت الطيور مثل قَولِهوَضَجت الوَحش به مِن حَولِه
  88. وَقالَت الأَنعام وَالسباعلَقَد أَصابَ الملك المُطاع
  89. فَقال لي الشيخ فَأدرَكتَنيحمية الطَّبع وَحركتني
  90. وَساءَ في مَقاله وَشفنيوَهَزني لِلقَول وَاستخفني
  91. ثُم هَمَمت بِالجَواب ناصِراًجنسي فَقَد ألزَمنا المعايرا
  92. ثُم ذَكَرت أَنَّني وَحَيدبِينَهُم وَأَنَّهُم عَديد
  93. فَقُلت حفظ النَفس أَولا قُصِدوَبَعد ذاكَ للفَخار أَجتهد
  94. وَإِن أَضَعت مُهجَتي لَم أَحفَظعرضي وَكَيف بعدَها تيقظي
  95. وَكُنتُ مثل مَن أَضاعَ المالالِطَلَب الربح فَقَد أَحالا