حدثني شيخ من الأعراب
حجم الخط
- حَدثني شَيخ مِن الأَعرابأعرفه بِالصدق في الخِطاب
- قالَ خَرَجت رائِداً لأَهليوَكانَ ذاكَ العام عام محل
- فسرت مِن يبرين نصف ميلثَم ضَللت لَقَم السَّبيل
- وَكُنت إِذ ذاكَ غُلاماً يفعهلَكن قواي كُلها مُجتَمعه
- قَلبي جَميع وَجِناني حاضرماض عَلى الهَول جَسور شاطر
- فَعِندَما أَيقنت إِني جائرعَن مَقصد قُمت كأنِّي حائِر
- استرشد الرِّياح وَالنُّجومقَد سترتها دوني الغُيوم
- فَلاحَ لي شَخص قَريب مِنيفارتَعت مِن ذاكَ وَساءَ ظَني
- وَخلته الغول فَجاشَت نَفسيلأنَّها لَم تَكُ أَرض إِنس
- حَتَّى إِذا ما اشتد مِنهُ خَوفيعَلقت نَضوى وَجذبت سَيفي
- فَبانَ لي إِذ لمع الحُساموَاِنجاب مِن لألائه الظَّلام
- تَخل واثل فَقَصَدت قَصدَهوَقُلت أمسي وَأَبيت عِندَه
- حَتَّى إِذا ما جِئته وَجَدتهيَهفو عَلى رَوض كَما أردته
- عُيون ماء وَرِياض أشبةتَسمَع لِلطيور فيها جلبة
- فَقُلت هَذا مَنزل أنيقوَإِنَّهُ بِنجعتي خَليق
- ثُم عَلقت ناقَتي في شَجرةوَنلت مِن بَعض النخيل ثَمَرة
- ثُم صَعدت نَخلة لاهجعافي رَأسِها مِن الأَذى مُمتنِعا
- وَاِنقَشَع السحاب عَن وَجه القَمَروَبانَ لي ما كانَ يخفى وَظَهر
- فَجاءَ ببر وَهزبرُ وَنمروَالوَحش وَالطَّير جَميعاً تبتدر
- وَجاءَت الأَنعام وَالبَهائموَالهام وَالطُّيور وِالأَراقم
- وَالحَشَرات جلها وَدَقهامفتنة في خُلقِها وَخَلقِها
- وَارتفع العَنقاء فَوقَ دلبةوَهوَ أَمير الطَّير يَبغي الخطبة
- فَقالَ حَمد اللَّه خَير نَطقوَشكره فَرض مُبين الحَق
- الحَمد لِلَّه عَلى ما خَصَّنيبِه مِن الخلق البَديع الحَسَن
- أَفرَدني مِن لُطفِه وَحكمتهبِصورة شاهِدة بِقدرته
- حَتَّى لَقَد كَذَب بي الطَّغاموَشك في وجودي الأَنام
- لأَنَّهُم خَصوا بِضَعف وَصغرفَحَسِبوا مِثلهم كُل الصُّور
- وَأَنكَروا ما خَرَق العاداتفَكَذَبوا رواية الرواة
- فَإِن يَكُن دينهُم التَّكذيب بيفَلَيسَ هَذا مِنهُم بِالعَجَب
- فَإِنَّهُم قَد كَذبوا بِالصانعوَأَنكروا البَعث لِيَوم جامع
- لجهلهم وَالجَهل شرشيمةجاءَت مَع الناس مِن المَشيمة
- كَذاكَ تَكذيبهُم لجهلِهموَخُبثِهم وَنقصِهم وَبُخلِهم
- بِما يَرى مِن جود كَفي صدقهوَنَفسه الفاضلة الموفقه
- إِذ لَم يَكونوا شاهدوا مِن البَشربَعض الَّذي بِه لَقَد شاعَ الخَبَر
- وَهُم عَبيد الحس وَالعَيانوَخصماء العَقل وَالبرهان
- لا يَقبَلون شاهِداً غَير النَّظَروَلا يطيعون العُقول وَالفكر
- وَمِنهُم مَن يَجحَد المَلائِكةوَالجن أَيضاً وَالأُمور الشابِكة
- كَذاكَ لَو لَم يَنظُروا السَّماءلأَنكَروا النُّجوم وَالأَنواء
- سَقف رَفيع فَوقَهُم بِلا عَمَدما فيهِ أَمت شائن وَلا أَود
- وَخَيمة لَيسَ لَها أَطنابيَعجَز عَن أَوصافِها الإطناب
- وَكَوكَب يَنظُر في كُلِّ بَلَدكَأَنَّه مَسامت كُل أَحَد
- لَو فَكروا في جرم ذاكَ الكَوكَبحَتّى يَرى بِمشرق وَمَغرب
- في حالة وَاحدة كَأَنَّهُفَوقَك أَو عَلَيك مِنهُ جنه
- وَالأَرض فيها عبرة للمعتبرتخبر عَن صُنع مَليك مُقتدر
- تُسقى بِماء واحد أَشجارهاوَنبعة واحِدَة قرارها
- وَالشَّمس وَالهَواء لَيسَ تَختَلفوَأُكلُها مُختلِفٌ لا يَأتَلِف
- لَو أَن ذا مِن عَمل الطَّبائعأَو أَنَّهُ صَنعة غَير صانع
- لَم يَختَلف وَكانَ شَيئاً وَاحِداًهَل يُشبِه الأَولاد إِلا الوالد
- لَو طبخ الطَّباخ أَلف قدربِالماء وَاللَّحمِ وَحُب البر
- ما جاءهُ مِن بَعضِها سِكباجوَلا قَلِياتٌ وَشورباج
- بَل كُلها هَريسة إِذ أَصلهامُتفق لَم يَتَفاوَت أَكلها
- الشمس وَالهَواء يا مُعاندوَالماء وَالتُراب شَيء واحد
- فَما الَّذي أَوجَب ذا التفاضلاإِلا حَكيم لَم يَرده باطِلا
- وَزَعَموا أن النُّجوم صانِعهوَأنَّها ضائِرة وَنافِعه
- في ساعَة يولَد ألف ألفِوَحالهم نِهاية في الخلف
- فَواحِد يَموت في مَكانهوَواحِد يَعيش في أَقرانه
- وَواحِد ذو ثَروة تَطغيهوَواحد شبعته تَكفيه
- وَواحِد برّ عَليم ناسكوَواحِد غُرّ جَهول فاتِك
- وَواحِد عَبد ذَليل مُضطَهدوَواحد ملك عَظيم معتمد
- تخالف لَيسَ لَهُ نِهايهفي بَعضِهِ مِن كُلهِ كِفايَه
- لَو كانَ هَذا صَنعة الطَّبائعلاتفقوا في الحال وَالصَّنائع
- بَل هوَ مِن فعل حَكيم قادروَخالِق للعالمين فاطِر
- وَبَعضهم يَقتل بَعضاً ظُلماوَلا يَخاف حَرجاً أَو إِثما
- تَراهُم تَحتَ البُرود الضافيةكَأَنَّهُم طلس الذِّئاب الضارِية
- يَسعون بِالغيبة وَالنَّميمةوَيخلقون الفِتَن العَظيمة
- حِرصاً عَلى الدُنيا الَّتي لا تَبقىوَاللَّهُ ما في الخَلق مِنهُم أَشقى
- وَيَدعونَ أنَّهُم خَير الأُمموَأَنَّهُم ذوو عقول وَحِكَم
- وَأنَّهُم أَخَص بِاللَّه مَعاًمِن غَيرِهم فَظالم مَن ادعا
- هَيهات ما أَجدرَهم مِن رَبِهمبِصَرفهم عَن بابِهِ وَحجبهم
- لأَنَّهُم ما يَفعَلونَ ما حتموَلَيسَ يَرضون بِكُل ما حكم
- يُخالِفونَ حُكمه وَأَمرهوَيأمَنونَ بَطشه وَمكره
- قَد ضمن الرزق لَهُم وَقالاكَفَيتُم فَأحسنوا الأَعمالا
- فَسَألوا مِن غَيرهِ ما ضمنهوَضيعوا وَما أَتوا بِحسنه
- إِن رُزِقوا مالا كَثيراً بَطرواأَو حرموه سَخطوا وَفجروا
- يَدَّخِرون وَالشقي المُدخرما فيهُم ذو فطنة فَيعتَبر
- بِمَن مَضى مِن قَبلهم مِن الأُممكَيفَ مَضوا وَخَلفوا هَذي النِّعَم
- فَلَيتَني أَبصَرت فيهِم رجلاحبراً ألد في الخِصام جَدَلا
- يَعتمد الإنصاف في المُجادلةلا يَقصد اللجاج وَالمماحلة
- فَإِن من مَقصودِه العِنادكَالجمل المصعب لا يَنقاد
- وَلَو رَأى لِلخَصم كُل آيهما زادَهُ ذاكَ سِوى غوايه
- فَإِنَّهُم قَد شاهَدوا آياتلرسل الرَّحمن مُعجِزات
- فَلم يزدهم ذاكَ غَير كُفروَعَمه عَن الهُدى وَخسر
- إِذ لَم يَكُن في عَزمِهِم أَن يُؤمِنواقَد عَلِموا بِكُفرِهم وَأَيقَنوا
- أَسأَلهم وَلا يَقولوا مينابِأَي شَيء فضلوا عَلَينا
- وَنَحنُ لا نُشرك بِاللَّه وَلانَقنَط مِن رَحمَتِهِ إِذ نَبتَلي
- أذكر مِن عُيوبهم ما أذكروَإِنَّني مِن ذِكرهم استغفر
- فَقالَت الطيور مثل قَولِهوَضَجت الوَحش به مِن حَولِه
- وَقالَت الأَنعام وَالسباعلَقَد أَصابَ الملك المُطاع
- فَقال لي الشيخ فَأدرَكتَنيحمية الطَّبع وَحركتني
- وَساءَ في مَقاله وَشفنيوَهَزني لِلقَول وَاستخفني
- ثُم هَمَمت بِالجَواب ناصِراًجنسي فَقَد ألزَمنا المعايرا
- ثُم ذَكَرت أَنَّني وَحَيدبِينَهُم وَأَنَّهُم عَديد
- فَقُلت حفظ النَفس أَولا قُصِدوَبَعد ذاكَ للفَخار أَجتهد
- وَإِن أَضَعت مُهجَتي لَم أَحفَظعرضي وَكَيف بعدَها تيقظي
- وَكُنتُ مثل مَن أَضاعَ المالالِطَلَب الربح فَقَد أَحالا