رأيت الفتى لا يمل الأمل
مالك بن المرحلمملوكيالمتقاربمدحاللام
حجم الخط
- رأيتُ الفتى لا يملُ الأملْوإن عمل الخيرَ ملَّ العملْ
- ويأمن دهراً يرى مكرَهويسمعُ عن فتكه بالأول
- وهلْ طُررُ الصبحِ إلا ظبىًوهلْ غُررُ الشهبِ إلا الأسلْ
- أتحسبُ دنياكَ هذي عروساًتهادىْ إليك وتهدى الجذلْ
- وأن النجوم عليها حُلىًوأن الدياجى عليها جُللْ
- وإن أطلعتْ شفقاً خلتهعلى وجنتيها احمرار الخجلْ
- وما شفق الأفق لو أشفقتسوى مُهجٍ سفكها لم يزلْ
- وذاكَ الغمامُ وتلكَ البروُقدروع تُشُّق وقضبُ تُسلْ
- إذا أحسنَ الدهر يوماً أساء إليك وإن جدَّ يوماً هزلْ
- نحبُّ الزمانَ ولا نتقيسطاه وآباءنا قد قتلْ
- رماهم عنالقوسِ رميَّ النجومبنبلِ مُطيح بها من نبلْ
- وما حملَ الرمحَ هذا السماكإلا لقوم عليهم حملْ
- خليليَّ أينَ زمانُ الصباوأينَ الغزالُ وأينَ الغَزلْ
- وهلْ كانَ إلا كطيف الكرىألمّ وما حلَّ حتى رحلْ
- تذكرت أيامنا بالسروجوقد غفل الدهرُ فيمن غفلْ
- وقد طرحَ الحلمُ عنا العصافصارت لقى ورعيا هملْ
- وإما نزلنا فَبينَ الظلالوإما مشينا فتحت الظللْ
- نرواحُ بينَ قيانِ الغصونسمعاً وبينَ قيان الكِللْ
- ونهصرُ قضبَ الأماني اعتناقاًونقطفُ زهرَ القبولِ قُبلْ
- وقد كُنت أخشى الوغى خشيةعلى باذلِ الودِّ أن يبتذل
- وما كُنت أحذر سمرَ القناكما كُنت أحذُر سمْر المُقلْ
- وأين قدودٌ لها ناعماتُإذا قُويست من قدود النخلْ
- قطعتُ الزمانَ بوصلِ الحسانِفليتَ زماناً قطعتُ اتصلْ
- وقلتُ لعاذلتي في التصابيمحبُّ التصابي عدوُ العذلْ
- فلما بدا الشيبُ نبهننيبإعراضهن على ما نزلْ
- فتاركتهن لأني رأيتُخلال المودّة فيها خللْ
- كذاكَ الحقوقُ إذا لم توفَّفدعْها ولا تقتنع بالأقل
- وصرتُ أعافُ الصبا والمجونَوربَّ طباع تعافُ العسل
- وما زيَّن اللهوَ إلا الشبابُولا حسّن الغيَّ إلا الثملْ
- يدورُ الزمانُ كدور الرياحفطوراً جنوباً وطوراً شمل
- فيوماً يُعزُّ ويوماً يُذلفكم قد أعزَّ وكم قد أذل
- وما الناسُ إلا كمثل النجوموما طلعَ النجمُ إلا أفل
- وما المرءُ إلا كمثل النباتإلى النقص يرجع مهما اكتمل
- فإن قلتَ هل للشباب ارتجاعٌفخلف من القول إن قلت هل
- تعودُ الدياجى إلى لونهاوليسَ يعودُ شبابٌ نصل
- ويبْلى على الروض ثوبُ الربيعولكنْ يُجدَّد من ذي قَبل
- أجل أجَلُ الروض مستأنفوما للصّبا بعد فوت أجل
- وآمرةٍ باطّلاب الغنىولم تدر أن الغنى قد حصَل
- أبعدَ القناعة أرضى القنوعفحل فالقناعة حسبي فحل
- وما ذاكَ إلا لبخل الزمانِفربَّ اقتناع جناه البخلْ
- فإن قيلَ ذا كسلٌ قلْ نعمإذا غلبَ اليأس كان الكسلْ
- وما نكلتْ همتي إنماتبيّن لي أن حظي نكلْ
- وما كلُّ سائلة أعطيتمناها ولا كلُّ مُعطى سألْ
- ففي الرزق ساوى الذكي البكيوفي الحين ساوى الجبان البطلْ
- ولكنه لو تكون الحظوظبقدر العقول إذاً لم أُبلْ
- على أنه إن تكن ناظراًفدعوى العقول كلامٌ معلْ
- يُعرّى عن العقل خلق كثيرالصنائع شتى الحيلْ
- وتُعزى العقول إلى الناطقينوباللّه أكثرهم ما عقلْ
- فكمْ قايس منهم لم يقسوكمْ ناقلٍ منهم ما نقلْ
- ولولا النبوةُ ضلَّ الورىومَنْ لم ير النجم بالليل ضَلْ
- وأحمدُ أحمد آتٍ أتىبخير وخير خيار الرسل
- هوَ المرتضى وهوَ المجتبىهوَ المصطفى وهوَ المنتخل
- فأعظم بملّته في المللوأكرم بدولته في الدول
- لقد كانَ مولدهُ رحمةًسقينا بها كلَّ وبل وطل
- لقد كان مولده رحمةًأقمنا بها بين نهرٍ وظلْ
- له المعجزاتُ التي بيّنتلعين البصير المُزاح العِلل
- فمنْ قمرٍ شقّ حتى استبانَ من بين شقيه جرمُ الجبل
- وإسراء روح وجسمٍ معاًإلى حضرة القدس ذات الأزل
- إلى حيثُ لا فلكٌ يستديرإلى حيث لا ملكٌ يستقلْ
- ولا سبق الدلو فيه الرشاولا تبع الثور فيه الحملْ
- ولا المشتري في ذُراه اشترىولا زُحل في مداه زحَلْ
- وقابله بالسلام الجمادُوأقبل يشكو إليه الجملْ
- وحنَّ إليه غداة ارتقىعلى المنبر الجدعُ حتى انتقلْ
- وصدَّقه الذيبُ لما دَعاهوقالَ أتشهد قال أجلْ
- وأهدتْ إليه عجوز اليهودِ شاة شوتها فلما قبل
- نهته الذراع وقالت لهسُمِمت فما ضرَّه أن أكل
- وجادَله المزنُ لما دعاودرَّ له الضرعُ لما نزل
- وراعَ قتادة من عارهبأزرق زَاحَم منه الكَلل
- فسالتْ على خدّه عينُهولكنّه ردّها في عجل
- فكانت كما ذكرَ الواصفونَ أحسنَ عينيه لما استقل
- وأعطى عليَّاً لواءَ الفتوحوأبرأ عينيه لما تفل
- وفي الغارِ كانتْ له آيةٌبنسج عناكبهِ اذْ دخل
- وقد سُبلت عنه تلك الفجاجُوقد نفضتْ عنه تلك السبل
- ومرَّ سراقةُ في إثرهفساخَ وما في الثرى من وحل
- وما أنقذته سوى دعوةٍدعاها له بعدِ عهد وإل
- وحسبُك أن له معجزاتٍتزيدُ على الألف فيما نقل
- قبل ميلاده أخبرتْبذاك قريشٌ وعبد الأشل
- فقومٌ بمكة قالوا عسىوقومٌ بيثرب قالوا لعلْ
- فمنْ قائِل نجمُه قد بداومن قائلٍ عصرهُ قد أطل
- وقد كانَ في الفرسِ من قبلهعلى عهدِ كسرى حديثٌ جللْ
- وأخبر سيف به حدّهوأكرم مثواه حتى انفصل
- وكانوا إلى وجهه شيقينيقولون ياليته قد أظل
- فلما أتى كذّبته قريشٌوآذته في نفسه فاحتمل
- وجاءهم بالكتاب المُبينفقالوا افتراه وقالوا انتحل
- فقل فيهم يوم بدر وقدجزاهم بضرب الطلى والقُلل
- وجدَّل فيهم أباجهلهموعقبةَ والنضر أهل الجدل
- وسلْ فتح مكة عنهم وقدأتاهمْ فماتوا لفرط الوجل
- وقالوا هبلنا ولو شاء لميغن عنهم هُبل
- ولكنّه منَّ من الكريموأعطاهم الأمنَ بعدَ الوهل
- وسلْ عن هوازنَ إذ خادعوهبوادي حُنين وضاقَ المسل
- فجالتْ رجالٌ بها جولةًوزالت بها أرجلٌ من زلل
- قليلاً وهبت من النصر ريحٌلتسنيم في حافتيها بلل
- ونادى فخف به الصابرونومرَّ النداءُ فعالت ثُلَل
- قد اقتحموا عن ظهور المطيّ وازدحموا في صدور الأسل
- وطاروا إليه بشهب الرماحكمثل الرياح تطيرُ الشعل
- وعاق الزحامُ فألقوا بهاوسلُّوا السيوف وعقوا الخلل
- فكمْ ممتطٍ تاركٍ ما امتطىومعتقلٍ تاركٍ ما اعتقل
- وجاءوا إليه قليلاً فلمْيكنْ لهم بهم من قِبَلْ
- كما صوبت أعصبٌ أبصرتبضاح من الأرض سرب الحجل
- وأقبل جبريلُ في لمّةيَصُكُّ وجوهَهم مِن قَبل
- جنود بهم نُصر المسلمونفأمسى عدُّوهم قد خُذل
- فمن هاربٍ باتَ يخشى البياتَومن هالكٍ ظلَّ تحتَ الأَثل
- وخلوّا ذراريهم للسباهناك وأموالهم للنفل
- وطافَ بطائفهم جيشُهوفلُّهم في الذرا قد وقل
- فباتوا وقد سمر السيف منذيولهم حيثُ باتَ الوعل
- وأصبحَ دينُ الهدى ظافراًيُثير الترابَ بذيل رفل
- ومن بعدها أقبلوا مصلحينوقد أمَّلوه فنالوا الأمل
- وردَّ إليهم ذراريهمولولا المقاسمُ ردَّ الإبل
- فعال عطوف رؤوف رحيمكريم إذا قال قولاً فعل
- صفوحٌ إذا أذنبوا واصلٌإذا قطعوا مُحسن لا يمل
- جوادٌ جريءٌ تهون عليهالألوف إذا ما التقى أو بذل
- وليسَ يجادلُ من مبطلٍوليس يجالده من بطل
- وكمْ من غزاةٍ وبعث لهأذل بها اللّه من قد أضل
- فأما اليهودُ فلم تألُ فيأذاه ولا قصّرت في حيل
- فأنزل منهمْ بني قينقاعبقاع وكانوا بأسنى محل
- وأجلاهم فجلوا آمنينلأجل شفيعهم المقتبل
- وأما النضيرُ فلا نضرتوجوهُهم أهل كيْدِ وغِل
- تراموا إلى قتله عازمينفعاجلهم بعد طول المهل
- وأنزلهم من صياصيهموأزعجهم في هوانِ وذُل
- وبالقرظيين حلَّ البلاءُوحقّ بهم حينها أن يحل
- لأنهم ألّبوا المشركينعليه فشدّوا إليه الرحل
- وجاءوا إلى الحرب من أجل ذلك فوقَ الصعاب وفوق الذلل
- ففضّهم اللّه بعدَ اجتماعوبدّد جمعَهم المحتفل
- وجازى قريظة بالسيف لميفت من رجالهم من رحل
- وأخبار خيبر معلومةوإني خبير بها إن تسل
- تولاهم بالحصار الشديدفحلّت بهم عقدة لم تحل
- فقالوا نقرُّ على أننالكم عاملون ولا ننتقل
- ومن بعدَ هذا خلا وجهُهلمكة اذ كان فيهم شُغل
- فطاعَ له الشركُ طوعَ الشِراكوصارتْ يهودٌ له كالخول
- وأنجز ربُك ميعادَهوأصبحَ دينُ الهدى قد كمل
- ولم يبقَ في الأرضِ شرك بعهدسوى السيف أو سنةِ تمتثل
- وبلّغ عن ربّه مُنذراًوفصّل للفهم تلك الجمل
- ولم يبقَ للناس من حجّةعلى من براهم تعالى وجل
- فحينئذٍ خصّه ربُّهبتخييره في رحيل وحَل
- فما اختار إلا رفيقاً علاولا اعتام إلا جواراً فضل
- فيا حسرةً حسرتْ عن ذراعوصارعت الصبر حتى انجدل
- ويا كربةً كربت أن تذوبلها الراسياتُ بحر الغلل
- ويا لوعةً أولعت بالقلوبولا قلبَ إلا بها يشتعل
- ويا سيّدَ الناس أنت الشفيعوأنت العماد إذا العبد زل
- وأنت الرجاءُ غداة المخافوأنت الأمانُ غداةَ الوجل
- فصلّى عليك إله السماءِصلاةً مُضاعفةً تتصل
- وصلّى عليك إله السماءصلاةً مدى الدهر لا تنفصل
- صلاةً تطيبُ بها الشرفاتُإذا نفحت وتطيبُ الأُصُل