رأينا عجيبا والزمان عجيب
حجم الخط
- رأينا عجيباً والزّمانُ عجيبُرجالاً ولكنْ مالَهُنَ قلوبُ
- تَماثيلُ في صَخْرٍ نَحيتٍ كأنّهابنو زمنٍ لم يُلفَ فيه أريب
- نَزْلنا وُفوداً في حِماها ولم يكنلنا من قِراها في الوفود نَصيب
- وَمَنْ يكُ مُلْقَى رَحْلِهِ عند سُوقةٍله وَرِقٌ للزّائرينَ رطيب
- فنحن لدى كِسرى أبَرويزَ غُدوةًنُزولٌ ولكنّ الفِناءَ جَديب
- بظاهرِ قَرميسينَ والرَّكبُ مُحدقٌحَوالَيْهِ فيهم جَيئةٌ وذهُوب
- لدى مَلِكِ من آلِ ساسانَ ماجدٍوَقورٍ عليه التّاجُ وهْو مَهيب
- وقد ظَلّ بينَ المُوبذان مكانَهوشِيرينَ للأبصارِ وهْو قريب
- مكانَ المُناجي من خليلَيْهِ واقفاًوإن عّزَّ منهم سامعٌ ومجيب
- يرُونَكَ من تحتِ الحوادثِ أَوجُهاًبها من تصاريف الزمان شُحوب
- وقاموا على الأقدامِ لا يَعتَريهمُمَدى الدهرِ من طول القيام لُغوب
- عليهم ثيابٌ لَسْنَ مُجتابَ لابسٍولكنْ من الصَخْر الأصَمِّ مَجوب
- تُعُجِّبَ منها كيف جُرَّ لِمثْلهاذيولٌ لهم أم كيفَ زُرَّ جُيوب
- وقد شَخَصتْ للناظِرين بَوادياًصُدورٌ لهم من تحتها وجنُوب
- كما تَصِفُ الأعضاءَ يوماً غلائلٌإذا كان فيها للرياحِ هُبوب
- ومن تحته شَبْديزُ ناصِبُ جِيدهِومُنتَفِضٌ في الوجهِ منه سَبيب
- ومُسبَلُ ضافٍ بين حاذَيْهِ مُرسَلٌله خُصَلٌ مالتْ به وعَسيب
- ثنى سُنْبُكاً منه عنِ الأرض صافناًوهيهاتَ منه أن يكونَ خبيب
- تُؤُمّلَ منه كيف نسْجُ حِزامهفيَصعَدُ فيه ناظِرٌ ويَصوب
- وقد بان حتّى عِرقُه تحت جِلْدهِوإن لم تَبِنْ في صَفْحَتْيهِ نُدوب
- تَرى كلَّ عُضْوٍ منه أُكملَ صُنعْهُفلا شيءَ إلاّ الروحَ منه تَغيب
- وفارِسُه شاكي السلاحِ مُدَرَّعٌعلى الأرضِ للرُمْحِ الأصحِّ سَحوب
- يُخَيّلُ للرائي زمانُ حياتهفيَعلَقُ منه بالفؤادِ وَجيب
- ومِن حَوْله من كلِّ ما اللهُ خالقٌتَماثيلُ ما في نَحْتِهنَّ عُيوب
- سَماءٌ ذُراها بالنجومِ مُنيرةٌوأرضٌ ثَراها بالرِياضِ خَصيب
- ومُقتَنَصٌ فيه الجوارحُ سُرَّبٌتَطير وتَعدو والوحوشُ سُروب
- ومن كلِّ أَنواع الأنامِ مُصوَّرٌشبَابٌ وشُمْطٌ يَمرحونَ وشِيب
- ومَجلسُ أُنْسٍ يُفْسِحُ الطَرفَ مِلْؤهقيانٌ تُغنِّي وَسْطَهُ وشُروب
- وصَرْعَى وقَتْلَى في قتالِ عساكرٍتَحولُ حصونٌ دُونَهم ودُروب
- فمِن جانبٍ أَضحتْ تُصَبُّ مُدامةٌومن جانبٍ أَضحَتْ تُشَبُّ حروب
- خَليطانِ هذا للقراعِ مُعَبَسٌيَصولُ وهذا للسّماع طَروب
- وقد حققَّوا التصويرَ حتّى وجوهُهميَبينُ لنا بِشْرٌ بها وقُطوب
- وكلٌّ يُعاني شُغْلَه غيرَ أنّهعلى فَمِه دونَ الكلام رَقيب
- مَلاعبُ فيها المَلْكُ رامٍ بطَرْفِهوكلُّ ابْنِ دُنْيا إن نَظرْتَ لعوب
- وعاشوا طويلاً ثُمَّ فّرَّقَ شَمْلَهمزَمانٌ أكولٌ للأنامِ شَروب
- فلولا مَكانُ الدِينِ قَلَّ لفَقدِهمبُكاءٌ لنا في إثْرهم ونَحيب
- مُلوك أقاموا ما أقاموا أعزّةًوقد شعَبتْهم بعد ذاكَ شَعوب
- وُخيّل للرّائي ليذكُرَ عهْدَهمخيالٌ لعمري إن رأيتَ عجيب
- خيالٌ لهم يُهْدَى إلى كُلِّ أُمَةٍلقصْد اعتبارٍ إن رآه لَبيب
- وما هو بالطّاوي السُّهوب وإنّمالكي يُجتلَى تُطوىَ إليه سُهوب
- سَيبْقَى ويَفْنَى الناظِرون وتنقضيقبائلُ حتّى ينقضي وشعوب
- ولا بُدّ يوماً من فَناءٍ مُقَدّرٍسَنُدْعَى إليه دَعوةً فَنُجيب
- أُحِبُّكَ يا كسرى لعدْلك وحدَهودينُكَ مَشنوءٌ إلى مَعيب
- ومَعْبودُكم نارٌ ومَورِدُكم غداًفسوفَ تَرَى العُبّادَ كيف تُنيب
- ونحن سَبقْنا الأعجَميِنَ بمُلكهاوما كان منهم للبلادِ وثُوب
- بَدأنا وعُدْنا فانتزَعْناهُ ثانياًفللمُلْكِ فينا سابِقٌ وجَنيب
- مُلوكٌ من العُرْب الكرامِ إذا انتمواتَبلّجَ منهم مالِكٌ وعَريب
- وما في بنى ماءِ السماء أُشابَةٌتُعَدُّ وهل ماءُ السّماءِ مَشوب
- فلاحظْ غداةَ الافتخارِ نصابَناأمن مثلِه للأعجَمين نَصيب
- هُمُ عَمروا الدُنيا ولادين عندهمزماناً وإهمال الديانة حوب
- ونحن عمرنا الدين أوَّل ما بداولم تكُ دُنْيا للرِّجالِ خَلوب
- وذا زَمَنٌ ما منهما فيه عامرٌفصْبراً وغيَري يا أُميمَ كذوب
- فإن ساءنا ذا الأمرُ إذ هو مُبْهَجٌفقد سَرَّنا ما شئْت وهْو قَشيب
- عسى زمنٌ يثْنِي لنا العِطفَ مُنجِبٌفما في بني هذا الزّمانِ نَجيب
- تَناهى بيَ الإيحاشُ منهم فكلُّهموإن أظهر الودَّ الكثير مُريب
- وآنَسني نَحتٌ من الصْخرِ ماثلٌمُقيمٌ عن الأبصار ليس يَغيب
- عَديمُ الأذى طَبْعاً ولا عيشَ للفتىبقُرْبِ امرىءٍ يُخشَى أذاه يَطيب
- غَدا قائماً يَقري الرّجالَ تأسّياًإذا ضافَه نائي الدّيارِ غَريب
- فلولا الذي خلْفَ النّوى من علائقٍأقمتُ لديه ما أقام عَسيب
- وهل مُنْكِرٌ إن كان بالنّاس قاسهأخو نَظْرةٍ يرْمي بها فَيُصيب
- وأبناءُ هذا العصرِ أيضاً جلامدٌتُريك جسوماً مالهنَّ قلوب
- وقد مُسِخوا فاسَتحْجَروا حين أصبحواعُصاةَ المعالي والعِقابُ ضُروب
- فإن خُلِقوا في الخيرِ صَخْراً فإنّهمإلى الشرِّ سَيلٌ إن أهابَ مُهيب
- وأسعَدُ عند العقلِ شَخْصٌ مُمَثّلٌوكُلٌّ إلى عُقْبَى الفَناء يَؤوب
- أقامَ خليّاً ما أقامَ مُعمَّراًومَرَّ ولم تُكْتَبْ عليه ذُنوب